الإعلام وصناعة الأثرحين يكون الإنسان هو الرسالة

الإعلام وصناعة الأثرحين يكون الإنسان هو الرسالة
يربط الإعلام الأخلاقي بين وفرة المعلومات وضرورة الحكمة، مؤكداً أن قيمة الرسالة لا تصنعها السرعة أو المنصة، بل صدق الكلمة، ومسؤولية الإنسان، وقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي وأثر اجتماعي...

في زمنٍ تتدفق فيه الأخبار والصور والمعلومات على مدار الساعة، يبدو الإنسان وكأنه يعيش وسط بحرٍ لا ينتهي من الرسائل الإعلامية. فما إن يفتح هاتفه أو حاسوبه حتى يجد نفسه أمام سيلٍ من الآراء والتحليلات والإعلانات والمقاطع المصورة التي تتنافس جميعها على جذب انتباهه. ومع هذا الفيض الهائل من المعلومات، يبرز سؤال جوهري يستحق التأمل
هل أصبحنا أكثر وعياً حقاً، أم أصبحنا أكثر ازدحاماً بالمعلومات؟
لقد نجح العصر الرقمي في تقريب المسافات بين البشر، لكنه لم ينجح دائماً في تقريب المعاني. فسهولة الوصول إلى الخبر لا تعني بالضرورة الوصول إلى الحقيقة، وكثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة الحكمة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الإعلام ودوره الحقيقي في بناء الإنسان والمجتمع.
اعتاد كثيرون النظر إلى الإعلام بوصفه أداة لنقل المعلومات أو التأثير في الرأي العام، غير أن دوره أعمق من ذلك بكثير. فالإعلام ليس مجرد نقلٍ للخبر، بل هو صناعة للمعنى، وتشكيل للوعي، ومساهمة في بناء الصورة التي يرى الإنسان من خلالها نفسه والعالم من حوله.
ولعل القرآن الكريم قد أشار بصورة غير مباشرة إلى خطورة الكلمة وأثرها حين قال تعالى
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
فالكلمة في الرؤية القرآنية ليست صوتاً عابراً يختفي في الهواء، بل فعلٌ مسؤول يترك أثراً في النفس والمجتمع والتاريخ. وإذا كانت الكلمة في الحياة اليومية بهذه الأهمية، فإنها في المجال الإعلامي تصبح أكثر خطورة وتأثيراً، لأنها لا تخاطب فرداً واحداً، بل قد تصل إلى آلاف أو ملايين الناس في لحظات قليلة.
ويمنحنا القرآن صورة أخرى بالغة العمق عندما يقول
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.
إنها صورة تستحق أن تكون مبدأً أخلاقياً للإعلام المعاصر. فالكلمة الطيبة تشبه الشجرة التي تمتد جذورها في الأرض بينما تتجه أغصانها نحو السماء. وهي لا تكتفي بالوجود، بل تمنح الثمر والظل والحياة. وهكذا ينبغي أن تكون الرسالة الإعلامية الحقيقية، لا مجرد ومضة عابرة أو إثارة مؤقتة تنطفئ بعد ساعات من انتشارها.
لقد أصبحت كثير من المنصات الرقمية اليوم أسيرة لمنطق السرعة والإثارة وجذب الانتباه. وصار النجاح يُقاس بعدد المشاهدات والإعجابات والتفاعلات. غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على قيمة المحتوى. فليس كل ما ينتشر نافعاً، وليس كل ما يجذب الانتباه جديراً بالاحترام.
إن الفرق بين التأثير الحقيقي والتأثير المؤقت يشبه الفرق بين النار التي تشتعل سريعاً ثم تخبو، والنور الذي يضيء الطريق باستمرار. الأول يلفت الأنظار، أما الثاني فيغير حياة الناس.
ومن هنا تتجلى أهمية البعد الأخلاقي في العمل الإعلامي. فالتقنيات الحديثة قادرة على إيصال الرسالة بسرعة غير مسبوقة، لكنها عاجزة عن منحها الصدق أو الحكمة أو المسؤولية. فالآلة تستطيع أن تنقل الكلمات، لكنها لا تستطيع أن تتحمل نتائجها الأخلاقية.
وقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن هذه الحقيقة بعبارة خالدة حين قال
المرء مخبوء تحت لسانه.”
فالكلمات تكشف حقيقة الإنسان أكثر مما تكشفها الصور والشعارات. والمؤسسات الإعلامية كذلك تُعرف من خلال خطابها، وطريقة تناولها للأحداث، واحترامها للحقيقة، لا من خلال حجم إمكاناتها التقنية فقط.
وفي موضع آخر يقول الإمام علي عليه السلام:
ثمرة العقل مداراة الناس.”
وهو قول يحمل دلالة عميقة في مجال العلاقات العامة والتواصل المجتمعي. فنجاح الاتصال لا يقوم على فرض الرأي أو كسب الجدل، بل على فهم الآخر واحترامه والقدرة على بناء جسور الثقة معه. وهذه القيم هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات العامة الناجحة، كما تقوم عليه المجتمعات المستقرة.
وعندما ننتقل إلى الفكر الإنساني الحديث نجد أن منظّر الإعلام الكندي مارشال ماكلوهان اشتهر بمقولته المعروفة “الوسيلة هي الرسالة”. وقد أراد بذلك التأكيد أن طبيعة الوسيلة الإعلامية تؤثر في مضمون الرسالة وطريقة تلقيها. غير أن تحديات عصرنا تدفعنا إلى إضافة فكرة أخرى وهي أن الإنسان نفسه أصبح جزءاً من الرسالة. فمهما تطورت الوسائل، تبقى قيمة الرسالة مرتبطة بوعي صاحبها وصدقه ونزاهته.
كما يؤكد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن المجال العام الصحي يقوم على الحوار العقلاني والتفاهم الإنساني. وهذه الفكرة تزداد أهمية في زمن الاستقطاب والانقسام والتضليل الإعلامي، حيث يصبح الإعلام الحقيقي جسراً للفهم لا ساحة للصراع فقط.

إن أزمة العالم المعاصر ليست أزمة معلومات، فالمعلومات متوافرة بكثرة غير مسبوقة. وإنما الأزمة الحقيقية هي أزمة معنى. فالبشرية تعرف اليوم أشياء كثيرة، لكنها ما زالت تبحث عن الحكمة التي تمنح هذه المعرفة غايتها واتجاهها.
ومن هنا فإن مستقبل الإعلام لا يرتبط فقط بتطور الذكاء الاصطناعي أو تقنيات الاتصال الحديثة، بل يرتبط بقدرة الإنسان على توظيف هذه الأدوات في خدمة الحقيقة والخير العام. فالإعلامي الناجح ليس من يمتلك أكبر منصة، بل من يمتلك أوضح رسالة. وليس من يجذب أكبر عدد من المتابعين، بل من يترك أثراً أعمق في حياة الناس.

إن المجتمعات لا تنهض بالضجيج، بل بالوعي. ولا تُبنى بالشعارات، بل بالقيم. ولا تتقدم بكثرة الكلام، بل بصدق الكلمة.
ولعل التحدي الأكبر أمام الإعلام في القرن الحادي والعشرين ليس أن يجعل الناس يسمعون أكثر، بل أن يجعلهم يفهمون أكثر. وليس أن يملأ عقولهم بالمعلومات، بل أن يساعدهم على تحويل المعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى سلوك ينعكس خيراً على الفرد والمجتمع.
فإذا كانت الكاميرا تنقل الصورة، والمنصة تنقل الخبر، فإن الإنسان الواعي وحده هو القادر على صناعة الأثر.
وكلما ازداد العالم اتصالاً من الخارج، ازدادت حاجته إلى اتصالٍ أعمق من الداخل. وإذا كانت وسائل الإعلام قد نجحت في اختصار المسافات بين المدن والقارات، فإن المهمة الكبرى ما تزال تتمثل في اختصار المسافة بين الكلمة والضمير، وبين المعرفة والحكمة، وبين الإنسان وحقيقته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *