الانسان و القدر

الإنسان والقدر بين الاختيار والتسليم والمسؤولية
يتناول المقال علاقة الإنسان بالقدر، بين الرؤية الإسلامية والفلسفية والصوفية، ويؤكد أن الإنسان لا يُقاس بما يحدث له، بل بما يصنعه من معنى ومسؤولية داخل ظروفه....

منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء للمرة الأولى، بدأ واحد من أقدم الأسئلة وأكثرها إلحاحاً في تاريخ الوعي البشري: هل نحن من نصنع مصائرنا أم أن مصائرنا قد كُتبت قبل أن نولد؟ وهل نسير بإرادتنا الحرة أم أننا نتحرك داخل شبكة من القوانين والأحداث التي لا نملك أمامهاإلاالتسليم؟
هذه الأسئلة لم تكن يوماً مجرد جدل فلسفي أو ديني، بل كانت جزءاً من التجربة الإنسانية اليومية. فكل إنسان يجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، واقفاً أمام مفترق طرق يتساءل فيه عن معنى ما يحدث له، وعن حدود قدرته على التغيير، وعن سرّ التفاوت بين البشر في الفرص والظروف والمواهب والمصائر.
يولد إنسان في بيئة ميسورة، بينما يفتح آخر عينيه على الفقر والمعاناة. ينجح بعض الناس رغم قلة الإمكانات، ويتعثر آخرون رغم وفرة الوسائل. وبين هذه التناقضات المتكررة يظهر سؤال القدر بوصفه أحد أكثر الأسئلة التصاقاً بالوجود الإنساني.
في التراث الإسلامي نجد إشارات متعددة تحاول رسم العلاقة بين القدر والاختيار. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. وبين هاتين الآيتين مساحة واسعة للتأمل؛ فالأولى تشير إلى وجود نظام كوني محكم، والثانية تؤكد أن الإنسان يمتلك قدرة على الاختيار داخل هذا النظام.
ولعل المشكلة الكبرى لم تكن في وجود القدر نفسه، بل في الطريقة التي فهمه بها بعض الناس. فكثيراً ما تحوّل مفهوم القدر إلى ذريعة للتقاعس أو مبرراً للهروب من المسؤولية. فإذا أخفق الإنسان ألقى باللوم على الظروف، وإذا قصّر نسب تقصيره إلى الأقدار، وكأن الإرادة الإنسانية لا دور لها في صناعة الواقع.
من هنا تبرز أهمية التمييز بين ما هو خارج إرادة الإنسان وما هو داخل نطاق مسؤوليته. فالإنسان لا يختار زمان ولادته، ولا عائلته، ولا موطنه الأول، ولا كثيراً من الظروف التي تحيط به. لكنه يختار موقفه من هذه الظروف، ويختار كيفية التعامل معها، ويختار أن يحوّل الألم إلى معرفة أو أن يحوّله إلى استسلام.
وقد حاول عدد من المفكرين المعاصرين إعادة قراءة مفهوم القضاء والقدر بعيداً عن الفهم التقليدي الجامد. ومن بينهم المفكر السوري الراحل محمد شحرور الذي رأى أن القدر يتمثل في القوانين والسنن التي أودعها الله في الكون، بينما القضاء هو تحقق الأحداث ضمن إطار تلك القوانين. سواء اتفقنا مع هذا الطرح أو اختلفنا معه، فإنه يفتح باباً مهماً للتفكير، ويعيد التأكيد على أن الإنسان ليس مجرد كائن مسلوب الإرادة في مسرح الحياة.
أما الفلاسفة فقد تناولوا القضية من زوايا مختلفة. فرأى باروخ سبينوزا أن الحرية الحقيقية لا تعني التحرر من قوانين الوجود، بل فهم هذه القوانين والانسجام معها. بينما اعتبر سورين كيركغارد أن الإنسان يكتشف ذاته لحظة الاختيار، وأن القلق الذي يرافق القرار ليس ضعفاً، بل علامة على عمق التجربة الإنسانية
وفي التجربة الروحية والصوفية نجد مقاربة مختلفة تماماً. فالمتصوفة لم ينشغلوا كثيراً بالسؤال النظري: هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ بل توجهوا إلى سؤال أكثر عملية وعمقاً: كيف نحول كل ما يحدث لنا إلى فرصة للنضج والمعرفة؟ فالقدر عندهم ليس حكماً بالإدانة ولا مكافأة مجانية، بل مدرسة يتعلم فيها الإنسان أسرار نفسه وأسرار الحياة.
قد يأتي الدرس في صورة نعمة تملأ القلب بالامتنان، وقد يأتي في صورة محنة تكشف خفايا الروح. وقد يكون على هيئة انتظار طويل أو خسارة موجعة أو باب مغلق. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الحدث نفسه، بل في ما يصنعه الحدث داخل الإنسان.
ومن خلال القراءة والتأمل وتجارب الحياة أجد أن القدر ليس سجناً مغلقاً، كما أنه ليس فوضى عشوائية تتحكم بمصائر البشر بلا معنى. إنه المساحة التي يلتقي فيها علم الله الواسع مع التجربة الإنسانية المحدودة. وما نراه اليوم خسارة قد نكتشف غداً أنه كان حماية، وما نعدّه تأخيراً قد يكون إعداداً، وما نحسبه نهاية قد يكون بداية جديدة لم نكن نتوقعها.
لهذا أؤمن أن الإنسان لا يُقاس بما حدث له، بل بما صنعه مما حدث له. فالأحداث تقع على الجميع، لكن طريقة تحويلها إلى معنى تختلف من شخص إلى آخر. والروح لا ترتقي لأنها حصلت على كل ما تريد، بل لأنها تعلمت الحكمة فيما أُعطيت، والحكمة فيما مُنعت.
وهكذا يبقى القدر واحداً من أعظم أسرار الوجود، لا لأننا نعجز عن فهمه بالكامل، بل لأنه يدعونا في كل يوم إلى أن نوازن بين الثقة بالله وتحمل المسؤولية، وبين التسليم والعمل، وبين قبول ما لا نستطيع تغييره والسعي لتغيير ما نستطيع. وفي هذا التوازن ربما يكمن سرّ النضج الإنساني كله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *