فخ هرمز وإسقاط الهيمنة الأمريكية
في تقديري، يكشف فخ هرمز وإسقاط الهيمنة الأمريكية عن مسار متدرج في الردود الإيرانية.
فمن يتابع هذا المسار بدقة، منذ اغتيال الشهيد قاسم سليماني، مروراً بالرد على استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، وصولاً إلى الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً، يدرك أن ما جرى لم يكن مجرد ردود أفعال منفصلة.
بل كان تنفيذاً متدرجاً لاستراتيجية متكاملة.
وكان هدف هذه الاستراتيجية استدراج الولايات المتحدة إلى حرب شاملة داخل البيئة التي اختارتها إيران بنفسها.
المواجهة ليست بحثاً عن نصر تكتيكي
لم تدخل إيران هذه المواجهة بحثاً عن نصر تكتيكي محدود.
بل سعت إلى كشف حدود القوة الأمريكية.
كما أرادت إجبار واشنطن على القتال في ساحة تفقد فيها أهم عناصر تفوقها.
ولهذا، كان مضيق هرمز المسرح الطبيعي لهذه المواجهة.
مضيق هرمز نقطة الاختناق
تدرك إيران أن مضيق هرمز ممر بحري تتقاطع عنده المصالح الاقتصادية والعسكرية العالمية.
كما تدرك أن أي حرب فيه ستتحول تلقائياً إلى حرب استنزاف للاقتصاد الأمريكي.
ويحدث ذلك قبل أن تصبح حرباً عسكرية بالمعنى التقليدي.
تراجع عصر حاملات الطائرات
كشفت الحرب الأخيرة، من وجهة نظري، حقيقة لم يعد ممكناً إخفاؤها أو تجاهلها.
فقد بدأ عصر الهيمنة المطلقة لحاملات الطائرات بالتقهقر والانحسار.
فالمنصات العسكرية التي أنفقت الولايات المتحدة عليها مئات المليارات من الدولارات أصبحت مهددة بأسلحة محدودة الكلفة.
وقد لا تتجاوز كلفة تصنيع هذه الأسلحة قيمة الوقود الذي تستهلكه الحاملات خلال دقيقة واحدة.
إبعاد الحاملات عن مسرح العمليات
أجبر هذا الواقع حاملات الطائرات على الابتعاد عن مسرح العمليات.
كما أدى إلى تقليص دورها المباشر.
ويمثل ذلك تحولاً استراتيجياً أصاب أحد أبرز رموز القوة العسكرية الأمريكية.
كما أخرج حاملات الطائرات من حسابات أي حرب أمريكية مقبلة.
الترسانة النووية خارج الخيارات العملية
كشفت الحرب أيضاً أن الترسانة النووية الأمريكية، رغم ضخامتها، لم تكن عنصراً حاسماً في المعركة.
فامتلاك السلاح النووي لا يعني القدرة على استخدامه.
وعندما يصبح أقوى سلاح في العالم خارج دائرة الخيارات العملية، فإن ذلك يمثل كارثة بكل المعايير.
تراجع القيمة الردعية
حتى القيمة الردعية للترسانة النووية الأمريكية فقدت تأثيرها.
وإلا، فماذا يعني دخول إيران في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة من دون أن تردعها أكبر ترسانة نووية في العالم؟
وهنا يتضح أن ميزان القوة لا يقاس فقط بحجم ما تمتلكه الدول من أسلحة.
بل يقاس أيضاً بقدرتها على استخدام هذه الأسلحة ضمن حسابات الواقع.
حساسية الاقتصاد الأمريكي
أما اقتصادياً، فقد أثبتت الأحداث أن الاقتصاد الأمريكي، رغم حجمه وهيمنته، شديد الحساسية لأي تهديد يطال حركة الطاقة العالمية.
فمجرد احتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز كان كافياً لإرباك الأسواق.
كما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
تحول القوة الاقتصادية إلى نقطة ضعف
يؤكد ذلك أن القوة الاقتصادية الأمريكية يمكن أن تتحول سريعاً إلى نقطة ضعف.
ويحدث هذا التحول عندما تصبح إمدادات الطاقة رهينة لمسرح الصراع.
ولهذا، أرى أن إيران تخوض اليوم معركة لإعادة تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين.
إعادة تعريف مفهوم القوة
نجحت إيران في فرض معادلة جديدة.
وتقوم هذه المعادلة على أن التفوق التكنولوجي والإنفاق العسكري الهائل لا يضمنان تحقيق النصر.
خصوصاً عندما تكون بيئة الحرب مصممة لإبطال مفعول هذا التفوق.
سقوط فرضية الهيمنة المطلقة
لم يكن أهم ما خرجت به الحرب حجم الخسائر أو عدد الصواريخ التي أطلقت فقط.
بل تمثل الأثر الأهم في سقوط فرضية الهيمنة الأمريكية المطلقة.
فقد دخلت واشنطن المواجهة وهي تراهن على تفوقها العسكري.
لكنها خرجت وهي تواجه أسئلة جوهرية حول جدوى أدوات قوتها التقليدية.
أسئلة الحروب الطويلة
تواجه الولايات المتحدة أيضاً أسئلة تتعلق بقدرتها على خوض حروب طويلة.
وتزداد هذه الأسئلة في المناطق التي تمتلك فيها القوى الإقليمية أفضلية الجغرافيا والإعداد والإرادة.
الهدف الاستراتيجي الإيراني
من هنا، أخلص إلى أن إيران حققت هدفها الاستراتيجي الأكبر.
فقد استدرجت الولايات المتحدة إلى معركة كشفت حدود قوتها.
كما فرضت عليها القتال وفق قواعد اختارتها طهران بعناية.
بداية تحول تاريخي
ما جرى، في تقديري، ليس فصلاً عابراً في صراع إقليمي.
فهذه المواجهة أوسع من ذلك بكثير.
إنها بداية تحول تاريخي في موازين القوة الدولية.
وستتضح آثار هذا التحول بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة.


