الطائفية في إيران بين الحقيقة والأوهام

الطائفية في إيران بين الحقيقة والأوهام
تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها على نبذ الطائفية وتعزيز وحدة المسلمين، مع احترام جميع المذاهب الإسلامية قانونيًا وثقافيًا، وتمنع التمييز المذهبي رسميًا، مع استمرار المبادرات الوحدوية مثل أسبوع الوحدة وإدانة الإساءة للمقدسات الإسلامية...

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتولي الإمام روح الله الخميني قيادة الدولة، برز نقاش واسع في الأدبيات السياسية والفكرية حول طبيعة السياسة الدينية والمذهبية التي تنتهجها الجمهورية الإسلامية داخلياً.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها، لم تعتمد رسميًا سياسة طائفية قائمة على الإقصاء أو العداء المذهبي تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى، ولم تُسجَّل في الوثائق الرسمية أو التشريعات الصادرة عن مؤسسات الدولة، ممارسات ممنهجة تستهدف أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة على أساس عقائدي، بل على العكس، أُقِرَّت مجموعة من القوانين والضوابط التي تُجرِّم الإساءة إلى المقدسات الدينية أو التعدّي على عقائد الآخرين، بما في ذلك منع التعرض للرموز الدينية والشخصيات التاريخية التي تحظى بمكانة خاصة لدى المذاهب الإسلامية المختلفة، سواء تلك المرتبطة بالخلفاء أو بالشخصيات محل الخلاف المذهبي.

وفي هذا السياق، يُلاحظ أن خطاب الإمام الخميني، بوصفه المرجعية الدينية والسياسية العليا في المرحلة التأسيسية للجمهورية الإسلامية، اتسم بدعوات متكررة إلى التقليل من إثارة الخلافات المذهبية في المجال العام، فقد أكد في عدد من خطاباته وكتاباته أن الاختلافات العقائدية بين المسلمين تُعد ظاهرة تاريخية وطبيعية، ولا يمكن إنكار وجودها، إلا أنها تندرج ضمن الإطار العلمي والفكري، ولا ينبغي توظيفها في الصراع السياسي أو الاجتماعي.

وشدد الإمام الخميني على أن تحويل الخلافات المذهبية إلى أدوات تعبئة جماهيرية أو وسائل للتحريض الطائفي من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف المجتمعات، ويخدم مصالح القوى المعادية للأمة الإسلامية.

وانطلاقًا من هذا التصور، دعا الإمام الخميني رضوان الله عليه، إلى حصر النقاشات العقائدية في نطاقها الأكاديمي داخل الحوزات العلمية والمؤسسات البحثية، مع التأكيد على أن القضايا المصيرية التي تواجه الشعوب الإسلامية، مثل الاستقلال والسيادة ومقاومة الهيمنة الخارجية، يجب أن تكون محور الاهتمام المشترك، وفي احدى خطاباته قال رضوان الله عليه بما مضمونه: «إن الاختلاف بين السنة والشيعة هو من مكائد الاستعمار، فهم إخوة، لهم كتاب واحد ونبي واحد وقبلة واحدة».

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في مرحلتها التأسيسية، كما عبّر عنه الإمام الخميني، اتجه نظريًا وعملياً نحو تعزيز وحدة المسلمين، والحد من توظيف الانقسامات المذهبية في المجال السياسي، مع الإقرار بوجود اختلافات فكرية وعقائدية لا يمكن تجاوزها، ولكن يمكن إدارتها ضمن أطر علمية وسلمية.

وفي إطار مشروعه الوحدوي، أطلق الإمام الخميني مبادرة اعتبار الفترة الواقعة بين يومي الثاني عشر والسابع عشر من شهر ربيع الأول، وهي الأيام التي تختلف فيها الروايات التاريخية حول تاريخ ولادة النبي صلى الله عليه وآله، أسبوعًا للوحدة الإسلامية، وقد شكّل هذا الطرح بعدًا عمليًا وفكريًا في رؤيته للتقريب بين المسلمين، إذ سعى من خلاله إلى تحويل موضع الخلاف التاريخي إلى مساحة جامعة للتلاقي والحوار، بما يعزز ثقافة الاحترام المتبادل ويحد من توظيف الاختلافات المذهبية في إذكاء النزاعات.

وقد حظيت هذه المبادرة بطابع رسمي داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث أُدرجت ضمن المناسبات الدينية ذات البعد الوحدوي، وأصبحت تُحيى سنويًا عبر مؤتمرات وفعاليات فكرية وثقافية تؤكد على المشترك الإسلامي، وتدعو إلى نبذ الخطاب الطائفي، وتعزيز التعاون بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة.

ومن اللافت أن هذا النهج لم يقتصر على مرحلة قيادة الإمام الخميني قدس سره، بل استمر بعد رحيله، إذ واصلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية التأكيد في خطابها الرسمي وسياساتها الثقافية والدينية على مبدأ وحدة المسلمين ورفض الطائفية.

وقد تبنّت المؤسسات الدينية والرسمية في إيران هذا التوجه بوصفه أحد الثوابت الفكرية للدولة، مع الاستمرار في دعم مبادرات الحوار الإسلامي والتقريب بين المذاهب، انسجامًا مع الأسس التي أرساها الإمام الخميني في المرحلة التأسيسية للجمهورية الإسلامية.

وفي المرحلة اللاحقة، واصل الولي الفقيه السيد علي الخامنئي، بصفته القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، التأكيد على هذا النهج، إذ ورد في عدد من خطاباته التحذير الصريح من الإساءة إلى مقدسات المذاهب الإسلامية الأخرى، معتبرًا أن ذلك «حرام شرعًا وخدمة مباشرة لأعداء الإسلام».

وقد مثّلت هذه المواقف مرجعية دينية وسياسية عززت من استمرار سياسة ضبط الخطاب المذهبي في المجال العام.

وعلى المستوى الدستوري، ينص الدستور الإيراني في المادة الثانية عشرة على أن المذاهب الإسلامية المعترف بها، وعلى رأسها المذهب السني بفروعه المختلفة، تحظى بالاحترام الكامل، ولأتباعها الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية وفق فقههم الخاص، كما تؤكد مواد أخرى من الدستور على مبدأ الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة، وتمنع أي تشريع أو ممارسة تقوم على التمييز المذهبي.

وتعكس هذه النصوص الخطابية والدستورية مجتمعة أن التوجه الوحدوي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل وجد له سندًا فقهيًا وقانونيًا، وساهم في رسم الإطار العام للعلاقة بين المذاهب الإسلامية داخل الدولة، انسجامًا مع الرؤية التي أسس لها الإمام الخميني واستمرت في مرحلة خليفته الامام علي الخامنئي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *