إيران والعرب: خطاب مزدوج ومعايير انتقائية

إيران والعرب: خطاب مزدوج ومعايير انتقائية
يعرض النص تحوّل الخطاب السياسي العربي من اتهام إيران بالتحالف مع إسرائيل إلى ربطها بتنظيم القاعدة، مبيّنًا أن هذه السرديات تفتقر إلى الأدلة وتُوظَّف سياسياً لصرف الأنظار عن التحالفات الحقيقية وازدواجية المعايير....

لعدة عقود، شكّل العداء المعلن لإسرائيل أحد الأعمدة الأساسية في الخطاب السياسي والإعلامي العربي، فقد رفعت الأنظمة العربية شعار الصراع مع “العدو الصهيوني”، وقدّمت نفسها بوصفها الحامي الأول للقضية الفلسطينية، بينما كانت تُسقِط هذا العداء على خصومها السياسيين والإقليميين كلما دعت الحاجة، وفي هذا الإطار، وُجّهت إلى إيران، بعد الثورة الإسلامية، تهمة جاهزة ومكرّرة مفادها أنها صديقة لإسرائيل أو أداة غير مباشرة لتنفيذ مخططاتها ضد العرب.

لم يكن هذا الاتهام قائماً على أدلة واضحة بقدر ما كان جزءاً من معركة سياسية وإعلامية تهدف إلى نزع الشرعية عن أي دور إقليمي مستقل لإيران، وصرف الأنظار عن إخفاقات الأنظمة العربية نفسها في مواجهة إسرائيل، وطالما بقيت إسرائيل “العدو المعلن”، كان من السهل تأليب الشارع العربي عبر هذه التهمة، لما تحمله من حمولة عاطفية وسياسية عالية.

غير أن هذا الخطاب بدأ يفقد فعاليته مع انكشاف العلاقات الودية، بل والتحالفية، بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، سواء عبر اتفاقيات رسمية أو من خلال تعاون أمني واقتصادي لم يعد خافياً على أحد، ومع هذا الانكشاف، سقطت عملياً ورقة “إيران صديقة إسرائيل”، إذ بات من الصعب إقناع الشعوب بخطورة علاقة مزعومة، في الوقت الذي أصبحت فيه العلاقات الحقيقية والعلنية قائمة بين مطلقي الاتهام و”العدو السابق” نفسه.

أمام هذا التحوّل، لجأ الخطاب السياسي والإعلامي ذاته إلى استحداث عدو بديل وتهمة جديدة تتلاءم مع المناخ الدولي المستجد، فجرى الاستثمار في الرفض العالمي للإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وصعود تنظيم القاعدة بوصفه رمزاً للعنف والتطرّف، وهكذا، استُبدلت تهمة التحالف مع إسرائيل بتهمة أكثر وقعاً في الوعي العالمي والعربي وهي التحالف مع تنظيم القاعدة.

وفي هذا السياق، طُرحت روايات متعددة لتكريس هذا الاتهام، من بينها ما ادّعته بثينة شعبان، المستشارة السابقة للرئيس السوري السابق بشار الأسد، بعد لجوئها إلى دبي، إذ زعمت أن الأسد أبلغها بندمه على “رضوخه لضغوط إيرانية” دفعته إلى مساعدة تنظيم القاعدة في تنفيذ عملياته الإرهابية في العراق، غير أن هذه الرواية تفتقر إلى المصداقية، خاصة أن بثينة شعبان ليست مصدراً موثوقاً، ولم تقدّم أي دليل مادي يدعم ادعاءاتها.

والأهم من ذلك أن هذه المزاعم تتناقض مع معطيات معروفة لدى الشعب العراقي، فإدخال عناصر تنظيم القاعدة إلى العراق بدأ فعلياً في اليوم نفسه لسقوط حكم صدام حسين، عبر الأراضي السورية، وكان يُشار إليهم آنذاك باسم “المقاتلين العرب”، هذا المسار لم يكن نتيجة ضغوط إيرانية، بل قراراً سورياً مباشراً في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، قبل أن تتكشف لاحقاً هوية هؤلاء ودورهم التخريبي في العراق.

ومن المفارقات المضحكة المبكية في هذا السياق أن كثيراً من الأكاذيب المتداولة تنطلي على قطاعات واسعة من الشعوب العربية، رغم أن دحضها لا يتطلب أكثر من تفكير بسيط لا يستغرق سوى بضع ثوانٍ، فاستضافة إيران لبعض أفراد عائلة أسامة بن لادن بعد لجوئهم إليها تُقدَّم بوصفها “دليلاً” على تعاون إيراني مع تنظيم القاعدة، في حين أن هذا الحدث، عند النظر إليه بعقلانية، لا يخرج عن كونه إجراءً إنسانياً أو أمنياً بحتاً، لا يثبت بحد ذاته أي تحالف أو تنسيق.

ولو اعتُمد هذا المنطق السطحي معياراً للإدانة، لكان الأولى توجيه الاتهام إلى المملكة العربية السعودية نفسها، إذ يعيش معظم أبناء أسامة بن لادن في السعودية بشكل طبيعي، من دون أن يُعدّ ذلك دليلاً على علاقة بين الدولة السعودية وتنظيم القاعدة، لكن ازدواجية المعايير هنا فاضحة، ما يُفسَّر في حالة إيران على أنه “تحالف إرهابي”، يُفسَّر في حالات أخرى على أنه أمر طبيعي أو إنساني، تبعاً لهوية الطرف المراد شيطنته لا لطبيعة الفعل ذاته.

من هنا، تبدو محاولة تحميل إيران مسؤولية هذا الملف جزءاً من نمط متكرر في الخطاب السياسي العربي وهو بمثابة إعادة تدوير الاتهامات بما يخدم اللحظة السياسية، لا قراءة الوقائع كما هي، فالربط بين إيران وتنظيم القاعدة، شأنه شأن الربط السابق بينها وبين إسرائيل، لا يقوم على حقائق متماسكة بقدر ما يقوم على توظيف الخوف والغضب في توجيه الرأي العام.

من هنا يكشف هذا التحوّل في الخطاب عن استخفاف مزمن بوعي الشعوب العربية، حيث يجري تغيير “العدو” في الرواية الرسمية كلما سقط العدو السابق، مع بقاء الهدف واحدًا وهو صرف الأنظار عن التحالفات الحقيقية والسياسات الفعلية، واستغلال القضايا الكبرى لتصفية الحسابات السياسية، لا لتنوير الرأي العام..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *