الفساد في العراق… بين.. المافيات الدولية ..و التدخلات الخارجية

الفساد في العراق بين المافيات الدولية والتدخلات الخارجية
يناقش المقال تحول الفساد العراقي إلى شبكة دولية، وحجم الأموال المهدورة، وآليات غسلها وتهريبها، ومتطلبات استردادها وحماية السيادة...

الفساد في العراق يتجاوز الحدود

لم يعد الفساد في العراق مقتصراً على الرشوة أو اختلاس الأموال العامة.

بل تحول إلى ملف يتجاوز الحدود الوطنية.

كما تداخل مع شبكات مالية وتجارية وأمنية عابرة للقارات.

وكلما ظهرت قضية فساد كبيرة، برزت أسئلة جديدة.

وتتعلق هذه الأسئلة بدور الخارج وحركة الأموال وشبكات غسلها.

كما تتعلق بالعلاقات السياسية التي توفر الحماية للمتورطين.

ومن هنا، لم يعد الفساد شأناً داخلياً صرفاً.

بل أصبح تحدياً يمس سيادة الدولة وأمنها الاقتصادي.

الاعترافات وعودة الجدل

أعادت اعترافات منسوبة إلى مسؤولين سابقين الجدل حول حجم الفساد.

وكان عدنان الجميلي من بين الأسماء التي ارتبطت بهذا النقاش.

ولم يتركز الجدل على الفساد داخل المؤسسات العراقية فقط.

بل امتد إلى آليات إدارته والعلاقات التي تحيط به.

كما ظهرت تساؤلات حول اللقاءات المرتبطة بالأزمات السياسية.

وتحدثت وسائل إعلام عن لقاءات بين مسؤولين عراقيين وأجهزة أجنبية.

وقد شملت هذه اللقاءات، وفق المتداول، مسؤولين أمنيين أو استخباريين.

استقلال القرار الوطني

بغض النظر عن دوافع تلك اللقاءات، فهي تثير أسئلة مشروعة.

ويتعلق السؤال الأهم باستقلال القرار السياسي العراقي.

كما يتعلق بحدود الدور الخارجي في معالجة الأزمات الداخلية.

فالأزمات العراقية يجب أن تبقى داخل المؤسسات الدستورية.

كما يجب أن تعالجها السلطات العراقية وفق القانون.

ولا تقاس السيادة بالشعارات أو الخطابات الرسمية.

بل تقاس بقدرة الدولة على إدارة ملفاتها بنفسها.

كما تقاس بحماية القرار السياسي والاقتصادي من التأثير الخارجي.

ولا يختلف الأمر باختلاف مصدر ذلك التأثير.

البعد الاقتصادي العالمي للفساد

يشكل البعد الاقتصادي العالمي أخطر جوانب الفساد العراقي.

فالأموال المنهوبة لا تبقى داخل العراق عادة.

بل تنتقل عبر شركات وحسابات واستثمارات خارجية معقدة.

وقد تحدث منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الوزراء السابق، عن تقديرات كبيرة.

وذكر في مناسبة إعلامية أن الأموال المنهوبة قد تبلغ تريليوني دولار.

وهذا الرقم واسع التداول في النقاش العام.

لكنه يحتاج إلى تدقيق رسمي ومنهجية واضحة.

كما يحتاج إلى تحديد المصادر التي اعتمد عليها التقدير.

تقديرات بمئات المليارات

تقدم تقارير دولية تقديرات مختلفة عن الأموال العراقية المفقودة.

وتشير بعض التقديرات إلى أكثر من خمسمائة مليار دولار.

وتشمل هذه الأرقام أموالاً مهدورة أو فاسدة أو مهربة.

لكن التقارير تختلف في تعريف كل فئة مالية.

فالأموال المنهوبة تختلف عن الأموال المهدورة.

كما تختلف عن رؤوس الأموال التي غادرت بطرق غير مشروعة.

ولهذا، يصعب اعتماد رقم نهائي دون تحقيق رسمي شامل.

تقديرات أحمد الجلبي

تحدث الراحل الدكتور أحمد الجلبي عن وثائق مرتبطة بالأموال العراقية.

وأشار في مناسبات مختلفة إلى نحو 386 مليار دولار.

ووصف هذه الأموال بأنها مسروقة أو مهربة خارج العراق.

وقد بقي هذا الرقم حاضراً في النقاش العام.

كما ارتبط بملف استرداد الأموال العراقية من الخارج.

لكنه لم يمثل إحصاءً حكومياً نهائياً.

لذلك، يجب التعامل معه كتقدير يحتاج إلى التحقق والتوثيق.

الأرقام في سياقها الاقتصادي

تكشف مقارنة هذه التقديرات بحجم الاقتصاد العراقي كارثة واسعة.

فعدد سكان العراق يتجاوز اليوم 47 مليون نسمة.

كما يبلغ الناتج المحلي نحو 260 إلى 270 مليار دولار.

وتستند هذه الأرقام إلى تقديرات المؤسسات الدولية الأخيرة.

كذلك تجاوزت الإيرادات النفطية منذ عام 2003 تريليون دولار.

ومع ذلك، ما زال العراق يعاني أزمات خدمية عميقة.

الخدمات رغم الثروة

ما زال قطاع الكهرباء يعاني عجزاً مستمراً.

كما يواجه العراق شحاً متزايداً في المياه.

وتراجعت الخدمات الصحية والتعليمية في مناطق كثيرة.

كذلك ارتفعت معدلات البطالة والفقر في عدة محافظات.

ولا تنسجم هذه الأوضاع مع حجم الموارد العراقية.

كما لا تنسجم مع الإيرادات النفطية المتراكمة.

ومن هنا، يظهر أثر الفساد في حياة المواطن مباشرة.

فالفساد لا يسرق المال فقط.

بل يسرق التعليم والصحة والسكن وفرص العمل.

ماذا كان يمكن بناءه؟

كان استثمار جزء يسير من الأموال المهدورة كافياً لتغيير العراق.

فقد كان يمكن إنشاء آلاف المدارس والمستشفيات.

كما كان يمكن بناء مدن سكنية حديثة.

وكان بالإمكان استكمال مشاريع الكهرباء والمياه والطرق.

كذلك كان يمكن تطوير شبكة السكك الحديدية.

وكان العراق يستطيع تأسيس صناديق سيادية قوية.

وتحفظ هذه الصناديق حقوق الأجيال القادمة.

لكن الفساد حرم المجتمع من هذه الفرص.

كيف تتحرك الأموال المنهوبة؟

لا تختفي الأموال المنهوبة داخل الحدود العراقية.

بل تتحرك عبر شبكات مالية معقدة.

وتستخدم هذه الشبكات شركات وهمية وحسابات مصرفية خارجية.

كما تستثمر الأموال في العقارات والأصول المختلفة.

وتدخل بعض الأموال في عمليات غسل منظمة.

وقد أكدت تقارير دولية متخصصة وجود هذه المسارات.

كما ربطت بعضها بجماعات إجرامية عابرة للحدود.

وتستفيد هذه الجماعات من ضعف الرقابة.

كذلك تستغل تعدد الملاذات المالية والقانونية.

الشركات الوهمية وغسل الأموال

تؤدي الشركات الوهمية دوراً أساسياً في إخفاء الأموال.

فهي تمنح التحويلات مظهراً تجارياً أو استثمارياً مشروعاً.

كما تساعد على إخفاء المستفيد الحقيقي من الأموال.

وتستخدم بعض الشبكات حسابات متعددة في دول مختلفة.

كذلك تنقل الأموال عبر صفقات عقارية أو عقود مزيفة.

وهذه العمليات تعقد مهمة الأجهزة الرقابية.

كما تجعل استرداد الأموال أكثر صعوبة وكلفة.

المافيات العابرة للحدود

قد ترتبط بعض عمليات الفساد بعناصر إجرامية دولية.

وتملك هذه العناصر خبرة في التهريب وغسل الأموال.

كما تستطيع نقل الأصول بين عدة ولايات قضائية.

وتستفيد من الفجوات بين القوانين الوطنية.

كذلك تستخدم وسطاء ومحامين وشركات مالية مختلفة.

ومن هنا، لا يستطيع العراق مواجهة هذه الشبكات وحده.

فالمشكلة أصبحت عابرة للحدود والمؤسسات.

مسؤولية الدولة العراقية

تبقى المؤسسات العراقية مسؤولة عن بدء عملية المحاسبة.

كما تتحمل مسؤولية جمع الأدلة وبناء الملفات القضائية.

ويجب أن تعمل الأجهزة الرقابية باستقلال وفاعلية.

كذلك يجب أن تتعاون مع القضاء بصورة مباشرة.

ولا يكفي إعلان أرقام كبيرة في وسائل الإعلام.

بل يجب تحويل المعلومات إلى ملفات قانونية دقيقة.

كما يجب تحديد المتهمين والأموال والجهات المستفيدة.

الحاجة إلى تعاون دولي

لم تعد مكافحة الفساد مسؤولية عراقية فقط.

بل تحتاج إلى تعاون قضائي ومالي دولي.

كما تحتاج إلى تفعيل الاتفاقيات الخاصة بمكافحة الفساد.

ويجب استخدام هذه الاتفاقيات لاسترداد الأموال المنهوبة.

كذلك ينبغي تعزيز تبادل المعلومات المصرفية والقضائية.

ويجب متابعة حركة الأصول بين الدول.

كما ينبغي تحديد المستفيدين الحقيقيين من الشركات والحسابات.

ومن دون هذا التعاون، ستبقى الشبكات الخارجية محمية.

استرداد الأموال المنهوبة

يتطلب استرداد الأموال أدلة قانونية قابلة للاعتماد.

كما يحتاج إلى تعاون بين المحاكم والجهات المالية الدولية.

ولا تستطيع الدولة الاكتفاء بالاتهامات السياسية أو الإعلامية.

بل يجب أن تثبت مصدر الأموال ومسار انتقالها.

كذلك ينبغي إثبات علاقتها بالفساد أو الجريمة المنظمة.

وبعد ذلك، يمكن المطالبة بتجميد الأصول وإعادتها.

لكن هذه العملية تحتاج إلى وقت ومؤسسات متخصصة.

كما تحتاج إلى إرادة سياسية لا تتراجع.

القانون في مواجهة النفوذ

تبدأ استعادة ثقة المواطن من سيادة القانون.

ولا تبدأ من سيادة الأشخاص أو الأحزاب.

فلا يمكن بناء دولة قوية مع بقاء الفساد محصناً.

كما لا تستقيم الدولة إذا خضع قرارها لضغوط خارجية.

ويجب أن يشعر المواطن بأن القانون يحمي ماله.

كذلك يجب أن يرى المحاسبة تطال الجميع.

فالثقة لا تعود بالتصريحات.

بل تعود عندما تتحول العدالة إلى ممارسة ثابتة.

دولة المؤسسات شرط الإصلاح

يمتلك العراق موارد بشرية وطبيعية كبيرة.

ويمكن لهذه الموارد أن تجعله من أقوى اقتصادات المنطقة.

لكن ذلك يتطلب دولة مؤسسات حقيقية.

كما يحتاج إلى قضاء مستقل ورقابة فعالة.

ويحتاج أيضاً إلى إرادة سياسية جادة.

ويجب أن تحاسب هذه الإرادة جميع الفاسدين دون استثناء.

كما ينبغي أن تسترد الأموال وفق القانون والأدلة.

ولا يجوز أن تخضع العملية للانتقائية أو التسييس.

خطر الانتقائية السياسية

تفقد مكافحة الفساد قيمتها عندما تصبح أداة سياسية.

فاستهداف خصوم محددين يضعف ثقة المجتمع.

كما يسمح للمتورطين الآخرين بالاستمرار.

ويجب أن تشمل المحاسبة كل مسؤول تثبت إدانته.

ولا ينبغي أن تحميه مكانته أو علاقاته الخارجية.

كذلك يجب الفصل بين الاتهام والإدانة القضائية.

فالقضاء يحدد المسؤولية بناءً على الأدلة.

أما الإعلام، فيكشف القضايا ويطرح الأسئلة.

من يحرك الأموال؟

يبقى السؤال الأساسي حاضراً أمام العراقيين.

إذا بلغت الأموال المنهوبة مئات المليارات، فمن يحركها؟

ومن يملك القدرة على نقلها عبر الحدود؟

ومن يوفر الشركات والحسابات والقنوات المصرفية؟

كذلك يجب السؤال عن المستفيد الحقيقي من استمرار النزيف.

فمنظومة بهذا الحجم لا تعمل بصورة فردية.

بل تحتاج إلى شبكات حماية وتمويل ونفوذ.

وقد تمتد هذه الشبكات داخل العراق وخارجه.

من يستفيد من استمرار النزيف؟

لا يقتصر المستفيد على المسؤول الذي يختلس الأموال.

بل قد يشمل وسطاء وشركات ومؤسسات خارجية.

كما قد يشمل شبكات سياسية ومالية وإجرامية.

ويستفيد الجميع من ضعف الدولة والرقابة.

لذلك، تتطلب المواجهة كشف البنية كاملة.

ولا يكفي توقيف بعض الموظفين أو المسؤولين الصغار.

بل يجب الوصول إلى قادة الشبكات والمستفيدين النهائيين.

دور الإعلام والقضاء والمؤسسات الدولية

لا تقع الإجابة عن هذه الأسئلة على الإعلام وحده.

فالإعلام يستطيع التحقيق وكشف المعلومات للرأي العام.

لكن القضاء يملك سلطة التحقيق وإصدار الأحكام.

كما تتحمل الأجهزة الرقابية مسؤولية تتبع المال العام.

وتتحمل المؤسسات الدولية مسؤولية التعاون في استعادة الأصول.

ومن هنا، تحتاج المعركة إلى تكامل مؤسسي واسع.

ولا تستطيع جهة واحدة إنهاء منظومة الفساد وحدها.

حماية المال العام حماية للسيادة

لا تنفصل حماية المال العام عن حماية السيادة.

فالدولة التي تفقد مواردها تفقد جزءاً من استقلالها.

كما تصبح أكثر عرضة للضغط والابتزاز الخارجي.

وتضعف قدرتها على تمويل الخدمات والدفاع والتنمية.

لذلك، يمثل استرداد الأموال قضية وطنية وسيادية.

كما تمثل محاسبة الفاسدين دفاعاً عن مستقبل المجتمع.

فالمال العام ليس رقماً في الموازنة فقط.

بل هو حق لكل عراقي وللأجيال القادمة.

خاتمة: معركة داخلية ودولية

في المحصلة، يرتبط الفساد في العراق بشبكات داخلية وخارجية معقدة.

فهو يتحرك عبر السياسة والاقتصاد والمصارف والشركات الوهمية.

كما تستفيد منه مافيات عابرة للحدود.

ولذلك، تحتاج المواجهة إلى دولة مؤسسات قوية.

كما تحتاج إلى قضاء مستقل وتعاون دولي فعال.

ويجب أن تبتعد الحملة عن الانتقائية والتسييس.

فالهدف ليس استبدال شبكة بأخرى.

بل تفكيك المنظومة التي استنزفت العراق.

وعندما يحمي العراق أمواله، فإنه يحمي سيادته ومستقبل شعبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *