
هيهات منا الذلة بين الشعار والموقف
هيهات منا الذلة ليست مجرد عبارة تُرفع في المواكب والمجالس والساحات، بل موقف أخلاقي وحياتي يرفض الخضوع للظلم والفساد والانكسار. ومنذ سنوات طويلة يردد ملايين العراقيين هذا الشعار بوصفه عنواناً للعزة والكرامة ورفض المهانة، لكن السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تحول هذا الشعار العظيم عند بعض الناس من مشروع حياة وموقف عملي إلى هتاف موسمي لا ينعكس على واقعهم ولا على خياراتهم اليومية؟
كيف يمكن لشعب يردد “هيهات منا الذلة” ليل نهار، وهو يعيش في بلد يمتلك من الثروات ما يكفي ليكون من أغنى دول العالم،
أن يجد نفسه عاجزاً عن الحصول على كهرباء مستقرة، أو ماء صالح، أو خدمات تليق بالبشر؟
وكيف يمكن لمن يهتف ضد الظلم أن يصمت على سرقة أمواله ومستقبل أبنائه لعقود طويلة؟
الشعار حين ينفصل عن الحياة
المشكلة ليست في الشعار، فالشعار عظيم في معناه ومصدره وروحه.
المشكلة تبدأ عندما ينفصل الشعار عن السلوك، وعندما تتحول الكلمات الكبيرة إلى أصوات عالية لا تنتج موقفاً واضحاً في مواجهة الفساد والظلم وسوء الإدارة.
فمن يرفع راية الكرامة لا ينبغي أن يقبل الإهانة اليومية في دوائر الدولة.
ومن يرفض الذل لا ينبغي أن يصمت عندما يُبتز في معاملة، أو يُسلب حقه، أو يُدفع إلى التوسل أمام من يفترض أنهم موظفون في خدمته.
الشعار الذي لا يتحول إلى وعي وسلوك ومحاسبة يفقد جزءاً كبيراً من معناه، مهما علا صوته في المواسم والمناسبات.
الفساد لا يعيش وحده
المأساة الحقيقية ليست في وجود الفاسدين فقط، فالفساد موجود في كل زمان ومكان،
لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول المجتمع إلى متفرج على عملية نهب منظمة لثرواته وحقوقه.
هناك من سرق المليارات، وهناك من دمّر مؤسسات الدولة، وهناك من حول المناصب العامة إلى تجارة ومزاد ومغانم.
لكن في المقابل، هناك مواطن بسيط يدفع الثمن من عمره وصحته وكرامته، وأحياناً يصمت أو يعتاد أو يبرر أو ينتظر من الفاسد نفسه أن يمنحه حقاً من حقوقه.
وحين يتحول الفساد إلى مشهد يومي مألوف، تصبح المشكلة أعمق من شخص فاسد؛ تصبح مشكلة وعي عام يحتاج إلى مراجعة شجاعة.
المواطن بين الحق والخوف
من أكثر الصور إيلاماً أن ترى موظفاً صغيراً يخشى قول كلمة حق، أو مواطناً يتوسل لمن سلب حقوقه،
أو أناساً يقفون على أبواب السياسيين طلباً لتعيين أو معاملة أو استثناء.
الأصل أن يكون المسؤول خادماً للشعب لا سيداً عليه، وأن تكون مؤسسات الدولة أبواباً للحقوق لا ممرات للإهانة والابتزاز.
لكن عندما يضطر المواطن إلى التذلل للحصول على أبسط حقوقه،
وعندما يصبح الوصول إلى الخدمة مرتبطاً بالواسطة أو النفوذ أو المال، فإننا نكون أمام خلل عميق في معنى الدولة ومعنى المواطنة.
الذل اليومي حين يصبح عادياً
من المؤلم أن يعتاد الناس على الذل اليومي حتى يصبح جزءاً من المشهد العام.
الكهرباء مقطوعة، والبطالة متفشية، والمدارس متهالكة،
والمستشفيات تعاني الإهمال، والطرق مدمرة، والفساد يلتهم الموازنات.
ومع ذلك، قد يستمر التصفيق لمن أوصل البلاد إلى هذا الواقع، وقد يُعاد انتخاب من فشل،
وقد يُمنح الفاسد شرعية جديدة، ثم يعود الناس بعد ذلك للشكوى من النتائج نفسها.
هنا يصبح السؤال ضرورياً: هل المشكلة في الفاسد وحده، أم في المجتمع الذي يمنحه الفرصة مرة بعد أخرى؟
معنى هيهات منا الذلة
الإمام الحسين عليه السلام لم يقل “هيهات منا الذلة” لكي تكون عبارة ترددها الألسنة فقط، بل لتكون موقفاً يرفض الخضوع للباطل، والسكوت عن الظلم، والقبول بالفساد، والتنازل عن الكرامة.
فالشعار الحسيني في جوهره ليس زينة لغوية، بل مدرسة في الموقف. وليس صوتاً عالياً في المناسبات فقط، بل معياراً للحياة اليومية: كيف نعيش؟ كيف نختار؟ كيف نحاسب؟ وكيف نرفض الظلم عندما يكون قريباً منا، لا عندما يكون بعيداً فقط؟
ولذلك، فإن الوفاء الحقيقي لهذا الشعار لا يكون بتكراره فقط، بل بتحويله إلى سلوك عام يرفض المهانة والفساد والتبعية والانكسار.
الذل ليس احتلالاً خارجياً فقط
ليس الذل أن يحتلك عدو خارجي فقط.الذل أيضاً أن ترى حقك مسروقاً وتسكت.الذل أن تخاف من الفاسد أكثر مما تخاف على مستقبل أطفالك.الذل أن تمنح صوتك لمن جوعك، ثم تعود لتشكو من الجوع.الذل أن تبيع كرامتك مقابل منفعة مؤقتة أو وعد كاذب.الذل أن تعرف أن الطريق خطأ ثم تمشي فيه لأن الآخرين يمشون.الذل أن يتحول الحق إلى منّة، والخدمة إلى فضل، والوظيفة العامة إلى باب للابتزاز.
ومن هنا، فإن مواجهة الذل لا تبدأ في الساحات الكبرى فقط، بل تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية.
لا كرامة بلا محاسبة
الأوطان لا يبنيها الهتاف وحده، ولا تُستعاد الحقوق بالشعارات وحدها. فالمجتمع الذي يريد الكرامة يحتاج إلى وعي، ومحاسبة، وموقف شجاع، وإصرار على تغيير الواقع المزري.
لا يمكن أن نطالب بدولة عادلة ونحن نصوت للفاسدين. ولا يمكن أن نطلب خدمات حقيقية ونحن نحمي من سرق الخدمات. ولا يمكن أن نرفض الذل ونحن نقبل أن تتحول حقوقنا إلى عطايا انتخابية ومِنح شخصية من أصحاب النفوذ.
الكرامة السياسية تبدأ عندما يدرك المواطن أن صوته أمانة، وأن صمته كلفة، وأن تكرار الخطأ ليس قدراً بل اختياراً.
مراجعة الذات قبل اتهام الآخرين
لقد آن الأوان لمراجعة الذات قبل اتهام الآخرين. فصحيح أن المسؤول يتحمل المسؤولية الأكبر عندما يفسد أو يفشل أو يسرق، لكن المواطن أيضاً يملك جزءاً من القدرة على التغيير من خلال وعيه وموقفه وصوته ورفضه للابتزاز.
لا يعني ذلك تحميل المواطن الفقير مسؤولية خراب الدولة، ولا إعفاء الطبقة السياسية من جرائمها وأخطائها، لكنه يعني أن الإصلاح لا يكتمل إذا بقي الناس يتعاملون مع الفاسد بوصفه طريقاً لقضاء الحاجة أو الحصول على منفعة مؤقتة.
فالفاسد لا يصبح قوياً فقط بما يملكه من نفوذ، بل أيضاً بما يحصل عليه من صمت وتبرير وتطبيع.
من الهتاف إلى السلوك
لكي يكون شعار “هيهات منا الذلة” حياً في المجتمع، يجب أن ينتقل من المنبر إلى المؤسسة، ومن الموكب إلى صندوق الاقتراع، ومن المجالس إلى الدوائر الحكومية، ومن العاطفة إلى الموقف.
يجب أن يظهر في رفض الرشوة، وفضح الابتزاز، ومحاسبة الفاشلين، وعدم بيع الصوت، وحماية المال العام، والدفاع عن حقوق الفقراء، ورفض تحويل المسؤول إلى زعيم فوق المساءلة.
فالشعار الذي لا يحمي المواطن من الإهانة اليومية يبقى ناقصاً، والشعار الذي لا يدفع إلى محاسبة الفساد يبقى صوتاً بلا أثر.
كلمة إلى المواطن قبل المسؤول
كلمتي الأخيرة موجهة إلى المواطن قبل المسؤول: لا تردد “هيهات منا الذلة” ما لم تكن مستعداً لرفض الذل في حياتك اليومية. لا تمنح الفاسد شرعية ثم تشكو من فساده. لا تتنازل عن كرامتك ثم تتحدث عن العزة.
التغيير يبدأ من الوعي، ومن رفض التعايش مع الخطأ، ومن الإصرار على أن تكون الحقوق حقوقاً لا عطايا،
وأن يكون المسؤول خادماً لا سيداً، وأن تكون الدولة بيتاً للمواطن لا ساحة لإذلاله.
وحين يستعيد المواطن كرامته الحقيقية، سيكتشف أن الفاسدين كانوا أقوى بصمته لا بقوتهم.
خاتمة: هيهات منا الذلة موقف لا موسم
في المحصلة، “هيهات منا الذلة” ليست شعار موسم، بل موقف حياة. ومن لا يرفض الذل في تفاصيل يومه لن يستطيع أن يحوله إلى مشروع وطني كبير.
إن العراق لا يحتاج إلى أصوات أعلى فقط، بل إلى وعي أعمق، ومحاسبة أشد،
ومواطن يعرف قيمة كرامته وصوته وحقه.
فحين تتحول الكرامة من هتاف إلى سلوك، ومن ذكرى إلى قرار، ومن عبارة إلى محاسبة،
يمكن عندها أن يصبح الشعار طريقاً للخلاص لا مجرد صدى يتكرر في المواسم.


