أصنامنا تسوقنا للمنافي

أصنامنا تسوقنا للمنافي ونقد الاستبداد والمنفى الداخلي
يتناول المقال تحوّل الدولة القومية والحزب والزعيم إلى أصنام سياسية في التجربة العربية، ويربط بين الشمولية والاستبداد والمنفى الداخلي، مستلهماً أفكار هانا أرندت وإدوارد سعيد في نقد السلطة التي تلغي الإنسان باسم الجماعة أو المقدس...

أصنامنا تسوقنا للمنافي حين تتحول السياسة إلى وثن

أصنامنا تسوقنا للمنافي عندما تتحول الفكرة السياسية إلى عقيدة مغلقة، وعندما تصبح الدولة أو الحزب أو الزعيم بديلاً عن الإنسان وكرامته وحريته. فلم يكن أفول التاريخ العثماني وانسحاب عباءته عن المشرق مجرد نهاية مرحلة سياسية، بل كان بداية ارتداد حضاري أكثر قسوة، لأن العقل الجمعي العربي اندفع إلى سد الفراغ الروحي والسياسي بصناعة أوثان جديدة.

لقد استبدلت بعض التجارب الولاء الديني المغلق بعبادة وثن حديث أُطلق عليه اسم “الدولة القومية”. وضمن أدبيات حماسية صاغها دعاة البعث والوحدة، ومن بينهم ميشيل عفلق وجمال عبد الناصر، صعدت تيارات حزبية حولت الفكرة السياسية إلى عقيدة دنيوية مقدسة، لا تقل في تزمتها وإقصائها عن أشكال الفكر الثيوقراطي المتطرف.

من الدولة القومية إلى العقيدة المغلقة

في هذا الفضاء المشحون بالقداسة المصطنعة، لم يعد الاختلاف في الرأي مجرد حق طبيعي، بل تحول إلى جناية كبرى وخيانة عظمى. أصبح الاعتراض على النخبة الحاكمة فعلاً يستوجب الإلغاء، والسجن، والتشريد، والنفي وراء الحدود.

وهنا تكمن مأساة التجربة السياسية العربية الحديثة. فقد أرادت أن تبني دولة، لكنها كثيراً ما صنعت جهازاً سلطوياً يطالب المواطن بالطاعة لا بالمشاركة، وبالصمت لا بالمحاسبة، وبالتصفيق لا بالتفكير. وبهذا، صار الوطن فكرة معلنة في الخطب، لكنه تحول في الواقع إلى سلطة تخشى الإنسان الحر.

هانا أرندت وآليات الأنظمة الشمولية

تحاكي هذه التجربة، في عمقها، ما شرحته الفيلسوفة الألمانية هانا أرندت في تحليلها لآليات الأنظمة الشمولية. ففي هذه الأنظمة، يجري تجريف الفرد وإلغاء كينونته الحرة لصالح هيمنة “المجموع” الأيديولوجي.

لا يعود الإنسان مواطناً يمتلك رأياً وضميراً، بل يصبح جزءاً من كتلة مرصوصة تُقاد باسم الأمة أو الحزب أو الدولة أو العرق أو الرسالة التاريخية. وقد تجسد هذا النمط بوضوح في التجربتين الفاشية والنازية، حين قادت عبادة الدولة ونقاء العرق البشرية إلى كارثة وجودية غير مسبوقة.

ولم تكن بعض نهايات التجربة القومية العربية بعيدة عن هذا المصير؛ إذ تهاوت الشعارات الكبرى عند أول اختبار حقيقي، وانكشفت هشاشة الأنظمة التي رفعت رايات التحرير والوحدة، لكنها عجزت عن بناء دولة المواطن والمؤسسة والقانون.

حين تتحول بنادق التحرير إلى الداخل

لم تكن المأساة في الشعارات وحدها، بل في المصائر التي صنعتها. فقد تحولت بعض البنادق التي قيل إنها صُنعت لتحرير الأرض إلى صدور الأشقاء، وظهرت مغامرات عسكرية وسياسية عمقت الانقسام وأضعفت الدولة والمجتمع.

ثم جاء انفجار الشارع في ما سمي “الربيع العربي” ليهتك ستر الأوهام، ويكشف أن طعنات الاستبداد الداخلي كانت، في كثير من الأحيان، أشد فتكاً من مؤامرات الخارج. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب خصومها، بل تنهار عندما تفقد مناعتها الداخلية، وعندما تصبح السلطة أقوى من الدولة، والحزب أقوى من القانون، والزعيم أكبر من الوطن.

العطب الهيكلي في الممارسة السياسية

لم يكن هذا الانهيار المدوي حتمية تاريخية، بل كان نتيجة طبيعية لعطب هيكلي في الممارسة السياسية. وقد لخص المفكر عزمي بشارة جانباً من هذه المعضلة عندما أشار، في تحليلاته للتجربة القومية، إلى أن أفول المد القومي لم يحدث بسبب خلل في الفكرة الأصلية وحدها، بل بسبب إدارة الأنظمة ظهرها لبناء دولة المؤسسات والمواطنة.

لقد استبدلت السلطات القومية التنمية والحريات بالشعبوية الفجة، والخطاب العاطفي المخدر، وتضخيم القطاع العام لشراء الولاءات. ومع الوقت، غرقت الدولة في الفساد، والترهل الاقتصادي، وتقديس الحزب والزعيم الملهم، حتى تحولت المؤسسات إلى أدوات للضبط لا إلى فضاءات للخدمة العامة.

صدمة حزيران وكشف عورات النظام

جاءت صدمة حزيران عام 1967 لتكشف عورات هذا النسق السياسي.

فقد عرّت الهزيمة نظاماً لم يحسن ترتيب أولوياته، واستنزف طاقاته في معارك جانبية،

وعطل الحياة السياسية والتعددية تحت شعار مخادع: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

كان الشعار، في ظاهره، دعوة إلى الوحدة في مواجهة الخطر. لكنه تحول في الممارسة إلى أداة لإسكات المجتمع،

وتعليق النقد، وتجريم المعارضة، وتبرير فشل القيادة. وهكذا أُغلقت السياسة باسم المعركة، ثم ضاعت المعركة لأن السياسة نفسها كانت قد ماتت داخل الدولة.

من أدلجة العروبة إلى أدلجة الدين

حين فرغت الساحة وتآكلت الشرعية القومية، تشتتت النخب بين الانكفاء أو الهجرة الفكرية نحو الماركسية أو غيرها من البدائل الأيديولوجية.

ونتج عن ذلك فراغ عقائدي واسع استغلته التيارات السلفية وحركات الإسلام السياسي، وصولاً إلى ولادة نماذج أكثر دموية وتوحشاً مثل تنظيم “داعش”.

وبذلك عاد العقل العربي إلى مربعه الأول. فبدلاً من تجاوز منطق الأدلجة المغلقة،

استبدل أدلجة العروبة بأدلجة الدين، ومارس القمع ذاته، وشل التفكير الشجاع، وبرر الفتك بالآخرين تحت اسم المقدس.

تغيرت اللغة، لكن البنية العميقة بقيت كما هي: سلطة تحتكر الحقيقة، وجماعة تلغي الفرد، وخطاب يبرر العنف باسم الخلاص.

الوطن حين يتحول إلى معمل للخوف

في هذه الدوامة العبثية، تحولت بعض الأوطان إلى معامل لإنتاج المسوخ، والمنافقين،

والكائنات المرعوبة التي تتقن العيش بأقنعة الخوف. لم يعد الإنسان يقول ما يؤمن به، بل ما يسمح به الرقيب.

ولم يعد يمارس مواطنته، بل يتدرب على النجاة اليومية من السلطة والمجتمع والخطاب العام.

هنا يصبح الخوف نظاماً اجتماعياً كاملاً. يخاف المواطن من الدولة، وتخاف الدولة من المواطن،

ويخاف المثقف من الكلمة، ويخاف الكاتب من السؤال، ويخاف الإنسان من أن يكون نفسه.

وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، لا يعود المنفى مكاناً بعيداً، بل يصبح حالة داخلية تعيش في القلب واللغة والذاكرة.

إدوارد سعيد والمنفى داخل الوطن

يتجاوز مفهوم المنفى، كما يلمح المفكر إدوارد سعيد، حدوده الجغرافية الضيقة،

ليتحول إلى أزمة وجودية وذهنية. فالمنفى الحقيقي ليس الابتعاد عن تراب المولد فقط، بل العيش داخل وطن لا يعترف بإنسانيتك،

ولا يوفر لك الأمان، ولا يضمن لك العيش الكريم، ولا يسمح لك بممارسة الفرح الإنساني الطبيعي من دون وصم أو تخوين أو اتهام.

قد يعيش الإنسان في بيته ومدينته وبلده، لكنه يشعر بأنه غريب عن كل شيء. لا لأن الأرض لا تخصه،

بل لأن السلطة صادرت معنى الانتماء، ولأن المجتمع خضع طويلاً لخطاب يحول الاختلاف إلى جريمة، والحرية إلى تهديد، والوعي إلى تهمة.

الدولة الأم ودولة العصابة

إذا قارنا هذا البؤس بنماذج أكثر إنسانية في بعض المجتمعات التي تأسست على العقد الاجتماعي والكرامة الإنسانية،

سنلمس هوة فلسفية عميقة. فالدولة هناك تسخر مؤسساتها الاجتماعية والمدنية للبحث عن المتشردين والمنبوذين والمنهارين في الشوارع،

بهدف إنقاذهم واحتضانهم وتقديم الرعاية لهم بوصف ذلك واجباً قانونياً وأخلاقياً.

في المقابل، كثيراً ما تفرغت أجهزة الأمن في العالم العربي لملاحقة الحالمين، والفلاسفة، والكتاب،

وأصحاب الرأي، بتهمة تحريض الجماهير أو إيقاظ الوعي.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين “الدولة الأم” التي تحمي مواطنها وتستوعب ضعفه الإنساني، وبين “دولة العصابة” التي تحكم بالسوط وتصنع استقراراً زائفاً يشبه أمن القبور الصامتة.

الاستقرار الزائف وأمن القبور

الاستقرار الذي يقوم على إسكات الناس ليس استقراراً حقيقياً. إنه صمت قسري، وأمن ظاهري،

وسكون يشبه سكون المقابر. فالمواطن الذي ينام تحت ضغط الجوع والخوف والقهر لا يعيش في وطن مستقر، بل يعيش في فضاء معلق بين الحياة والعقوبة.

وعندما تصبح الدولة سجناً كبيراً، لا يحتاج الإنسان إلى عبور الحدود كي يدخل المنفى.

يكفي أن يفقد حقه في الكلام، وحقه في السؤال، وحقه في الحلم. يكفي أن يتحول الوطن إلى مكان يطالبه بالولاء، ولا يمنحه الكرامة.

نقد الأصنام لا نقد الأوطان

إن نقد هذه الأصنام لا يعني نقد الأوطان، بل يعني الدفاع عنها من الذين اختطفوا معناها.

فالوطن ليس الحزب، وليس الزعيم، وليس الشعار، وليس السلطة العابرة. الوطن هو الإنسان حين يشعر بالأمان،

والقانون حين يحمي الجميع، والمؤسسات حين تخدم الناس، والكرامة حين لا تكون امتيازاً لطائفة أو طبقة أو جماعة.

ولهذا، فإن معركة الوعي العربي اليوم ليست فقط ضد الاستبداد السياسي،

بل ضد الأصنام التي جعلت الاستبداد ممكناً: صنم الزعيم، وصنم الحزب، وصنم الدولة المقدسة

، وصنم الجماعة الناجية، وصنم الخطاب الذي لا يقبل النقد. هذه الأصنام هي التي تسوق الإنسان إلى المنافي، حتى لو بقي داخل حدود وطنه.

خاتمة: نحو وطن لا منفى داخلي

في المحصلة، ليست المأساة العربية في نقص الشعارات، بل في فائض الأصنام.

لقد عبدت بعض التجارب الدولة حتى قتلت المواطن، وعبدت الأمة حتى ألغت الفرد،

وعبدت الحزب حتى خنقت المجتمع، ثم عادت فعبدت تأويلات دينية مغلقة لتعيد إنتاج القمع نفسه بلباس آخر.

إن الخروج من هذا الدوران لا يبدأ بصنم جديد، بل يبدأ بتحرير الإنسان من منطق التقديس السياسي والديني المغلق.

فالوطن لا يصبح وطناً إلا عندما يكون أوسع من السلطة، وأرحم من الحزب، وأعدل من الغلبة، وأقرب إلى الإنسان من أي شعار. عندها فقط، لا تعود أصنامنا قادرة على سوقنا إلى المنافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *