الحُرّ.. خيَارُ الوَعْي

الحُرّ.. خيَارُ الوَعْي
يقدّم تحوّل الحر بن يزيد الرياحي نموذجاً لحرية الوعي والمسؤولية الأخلاقية، إذ تجاوز الامتثال للسلطة واختار الانحياز إلى الضمير والكرامة رغم كلفة القرار، ليغدو موقفه رمزاً إنسانياً لمقاومة الطاعة العمياء واستعادة الذات...

تعتبر السيرة الإنسانية حافلةً بفرسانٍ غيروا مجرى التاريخ بسلاسل من الانضباط والانتصارات العسكرية، لكن أحداً منهم لم يترك أثراً في الضمير العالمي كما فعله رجلٌ خاض معركته الخالدة في دقائق معدودة؛ لا ضدّ عدوٍّ في ساحة قتال، بل ضدّ نفسه داخل حلبة الوعي. في الدراسات النفسية والفلسفية الحديثة(ومنها ما قدمه علماء النفس الشموليو الإرادة كـ (فيكتور فرانكل) في نظريته عن البحث عن المعنى، أو الفيلسوف الفرنسي (جان بول سارتر) في تفكيكه للحرية والمسؤولية الذاتية)يُصنَّف موقف القائد العسكري الحر بن يزيد الرياحي كأحد أنصع الأمثلة التاريخية على مفهوم الوجودية الأخلاقية؛ تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه ليس مجرد تَرْس في آلة سلطوية، بل هو المسؤول الأول والأخير عن صياغة مصيره وإنسانيته.

كان الحر بن يزيد يمثل ذروة العقل المؤسسي. قائدٌ ينتمي لبيئة عرقية وعسكرية صارمة، تشكّل إدراكه وفق نموذج الامتثال التراتبي الذي يُملى فيه الواجب من الأعلى، وتُزاح فيه المسؤولية الأخلاقية بالكامل عن كاهل الجندي لتُلقى على عاتق النظام. في هذه الذهنية، يُمارس الجهاز السلطوي نوعاً من التخدير الإدراكي؛ فيُصبح منع الماء تدبيراً أمنياً، وحصار المصلحين إنفاذاً للقانون. كان الحر يستند إلى هذا المنطق ليريح ضميره وهو يساير الحسين ويمنعه من الحركة في الصحراء، لكن خطورة الحر ( ومصدر عبقريته الفكري ) تكمن في أنه لم يكن يملك عقلاً مسلوباً، بل كان يمارس نبل الفارس حتى وهو في معسكر الباطل، كما ظهر في امتناعه الشديد عن المساس بكرامة فاطمة الزهراء أثناء حواره مع الإمام الحسين ( ع ) . هذا النبل البدائي كان الشرارة المخبأة التي تنتظر الوعي الكلي ليشتعل.

عندما واجه الحر تعنت قيادته العسكرية وصراحتها القاطعة بأن المعركة قتالٌ أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي، حدث ما تُسميه المفكرة والأديبة الألمانيّة (هانا أريندت) بـ “انهيار التفاهة الأخلاقية” والتخلي عن الامتثال الأعمى. أدرك الحر في تلك اللحظة أن النظام الذي يخدمه لا يطلب منه انضباطاً وظيفياً، بل يطلب منه الانسلاخ التام من بشريته. هنا لم يقتصر تحول الحر على عاطفة ندم مجردة، بل كان انقلاباً معرفياً كاملاً؛ حيث انكشف أمامه الزيف المؤسسي وسقطت شرعية الأوامر العسكرية عندما اصطدمت بالحق الفطري في الحياة والكرامة. وتلك الرعدة العنيفة التي أصابته لم تكن خوفاً من السيف، بل كانت أعراض المخاض الوجودي لتولد إنسان جديد يمزق الهوية الوظيفية كقائد ليعانق الهوية الجوهرية كإنسان حر، ممارساً حريته المطلقة باختيار الفناء الجسدي المؤكد على حساب العبودية المريحة. لقد استوعب أن بقاءه في السلطة هو الموت الحقيقي للروح، وأن مقتله مع الحسين هو الميلاد الأبدي للذات.

كتب المؤرخ والمستشرق السويدي (إريك هولمبرغ)متأملاً في هذه اللحظة أن أثمن ما قدمه الحر بن يزيد لم يكن دمه، بل كان امتيازاته. فمن السهل على الضعيف والمحاصر أن يختار المواجهة عندما لا يملك خياراً آخر، لكن الأعجوبة الفلسفية في موقف الحر تكمن في أنه كان يملك كل شيء: القيادة، النفوذ، السلامة، والذهب. تحوله لم يكن هروباً من هزيمة، بل كان تنازلاً طوعياً عن نصرٍ رخيص لصالح انحيازٍ للضمير المستنير. وحين قال إنه يخيّر نفسه بين الجنة والنار، لم يكن يمارس غيبية مجردة، بل كان يضع الجنة كمفهوم للكرامة والاتصال بالحق، والنار كعذاب وجداني أبدي يستشعر فيه الخيانة الذاتية والامتثال الساكت للظلم.

في موسم الأربعين، وحين تتداعى الأجساد نحو كربلاء، تتحول شخصية الحر بن يزيد الرياحي من سيرة تاريخية إلى مانفيستو إنساني عابر للزمان. إنها وجه الصدمة الفكرية في وجه كل مستكين للتبريرات الوظيفية، وكل متذرع بضغط الجماعة أو سلطة الأمر الواقع. يخبرنا الحر أن لحظة وعي واحدة، إذا ما امتلكت شجاعة التنفيذ، كفيلة بأن تطهر التاريخ الفردي بأكمله، وأن تعيد رسم خريطة الروح من قاع العبودية المقنعة إلى أعالي الحرية المطلقة. لم يمت الحر بن يزيد في كربلاء، بل وُلد فيها، وترك خلفه خطاً فارقاً يمر بقلب كل إنسان: إما أن تكون حُرّاً بوعيك حتى لو كلفك ذلك حياتك، أو أن تكون عبداً بامتثالك حتى لو ملكت الأرض برمتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *