نداء لا تعودوا: إلى أبناء الطائفة الشيعية في لبنان خاصة الجنوب

نداء لا تعودوا إلى الجنوب قبل اتضاح المشهد السياسي
يتوجه المقال بنداء إلى أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، خاصة الجنوب، داعياً إلى عدم التسرع في العودة الشاملة قبل اتضاح المشهد السياسي، وإلى اعتماد الوعي والوحدة الوطنية والعودة المدروسة...

نداء لا تعودوا قبل اتضاح المشهد

نداء لا تعودوا لا ينطلق من الخوف، بل من الحرص على أبناء الجنوب والطائفة الشيعية في لبنان في لحظة تاريخية دقيقة لا تحتمل الخطأ. يا أهلنا وأحباءنا، يا أبناء الجرح والكرامة والصمود، أتوجه إليكم بهذا النداء الصادق لأنّ المصير يُرسم اليوم بقدر الوعي، وبحجم القراءة العميقة لما يجري حولنا.

إنني أدعوكم بكل حرص إلى عدم التسرع في العودة الشاملة إلى الجنوب قبل أن يكتمل المشهد السياسي الدولي، وقبل أن يُوقَّع الاتفاق الأمريكي الإيراني وتتضح معالمه وتثبت ضماناته. فالحرب، بمعناها الاستراتيجي، لم تنتهِ بعد. وما نعيشه اليوم قد يشبه محاكاة قاسية لما جرى عام 1948، كما قد يمهد لسيناريو جديد يراد من خلاله تحديد مصيركم كما تحدد مصير الشعب الفلسطيني في محطات سابقة.

الحذر من الشعارات والانفعال

احذروا ألف مرة من الانزلاق خلف البهورات والشعارات. وتذكروا أنّ الطائفة، حتى وقت قريب، كانت تمسك بحضور كبير في المنطقة، وكانت المدن عامرة بالحياة والناس. لكن عندما اجتمعت الدول والقوى الكبرى على الطائفة، ظهر أمامكم حجم الخطر والخذلان والدمار.

لذلك، يجب أن يتحول ما جرى إلى درس عميق لا إلى مجرد ذكرى مؤلمة. فاليوم تولد الطائفة الشيعية في لبنان من جديد، وهذه الولادة تحتاج إلى حرص كبير، وعقل بارد، وإدارة دقيقة للخطوات القادمة، بعيداً عن الانفعال والعاطفة غير المحسوبة.

العودة يجب أن تكون مدروسة لا عاطفية

لا ينبغي أن تتحول عودتكم إلى اندفاع عاطفي جماعي دفعة واحدة. بل يجب أن تتم العودة على مراحل، مجموعاتٍ مجموعات، وبما يتناسب مع قدرة القرى على الاستيعاب، وما تبقى فيها من خدمات وبنى أساسية.

فالعالم اليوم يراقبكم عن قرب، ويضعكم أمام خيارين لا ثالث لهما. إما أن تختاروا نموذج ألمانيا واليابان في النهوض من تحت الركام، فتُعيدوا بناء قراكم ومدنكم بقوة واقتدار، وترمموا أوجاعكم بصبر المنتصر وعين تتطلع إلى التطور والمستقبل. وإما أن تنجروا، لا سمح الله، إلى نموذج غاب عنه العقل السياسي والقراءة الواقعية، فكانت النتيجة ضياع الهوية والقضية، رغم عدالة القضية وعظمة التضحيات.

البناء يحتاج إلى واقعية سياسية

لا تقوم الدول والمجتمعات على النوايا الطيبة وحدها، بل تقوم على فهم آليات البناء، وفقه اللحظة، والواقعية السياسية. لذلك، يجب أن تقرأوا المرحلة المقبلة بعقل الدولة لا بعاطفة الجرح فقط.

نعم، يجب أن نشكر إيران وكل من ساعد الطائفة ووقف إلى جانبها. كما لا مانع من شكر الخصوم في الداخل عندما يساهمون في تخفيف الألم أو فتح باب وطني جديد. لكن في الختام، يجب أن يعرف الجميع أنّ هذا الصمود والثبات والتضحيات حملها أبناء الشعب اللبناني العظيم، وفي مقدمتهم أبناء الجنوب الذين دفعوا ثمناً كبيراً من دمهم وبيوتهم ومستقبلهم.

العلم اللبناني في طليعة الرايات

ستحملون الأعلام والرايات وصور الشهداء والمفقودين، لكن يجب أن يتقدمها العلم اللبناني. فكل خيط في هذا العلم يمثل شرياناً من أبناء هذه الطائفة المضحية، كما يمثل جامعاً وطنياً لا يجوز التفريط به.

أما شكركم للمقاومة، فيجب أن يظهر في صناديق الاقتراع والانتخابات، لأنّ استمرارها إلى جانبكم يحتاج إلى حماية سياسية وشعبية واعية. فالمقاومة، في لحظة الخطر، كانت على تخوم الوطن تقاوم، وكانت بينكم تنقل مقومات الصمود والاستمرار.

لا تنجروا خلف الإعلام الطائفي

إياكم والانفعال أو التفاعل مع الإعلام الذي يقتات على أوجاعكم، ويستغل دمار بيوتكم ليتحدث بلغة فوقية وعصبية طائفية مقيتة. فهذا الإعلام لا يريد حماية الناس، بل يريد تصفية الحسابات، ورفع منسوب التحدي، واستثمار الجراح في معارك داخلية لا تخدم الجنوب ولا لبنان.

وتذكروا أنّ ما أنقذ الطائفة في عام 2000 كان ذلك الموقف الذي دعا إليه الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، حين أكد أنّ الدولة هي التي تحاسب، وأنّ الاحتكام يجب أن يكون إلى القانون. واليوم، يحتاج الشيعة في لبنان إلى الوحدة الوطنية أكثر من أي وقت مضى.

الطائفة الشيعية مكون لبناني أصيل

تذكروا دائماً أنكم مكون لبناني أصيل. ليس لنا على الآخرين إلا العتب، لأننا نحبهم ونشاركهم الوطن والمصير. لكن هذا العتب لا يعني أن نكره أحداً من إخوتنا في الوطن والمواطنة، ولا يعني أن نغادر فكرة الدولة أو نسيء إليها.

لكم على هذه الدولة حقوق، وعليكم تجاهها واجبات. فالدولة التي ننتمي إليها هي الثابت؛ هي الأرض والنشيد والدستور. أما الأشخاص والمناصب والحكومات فتتبدل، ولا يجوز أن نخلط بين الدولة وبين من يتولى الحكم في مرحلة معينة.

الدولة ليست الحكم

لا يجوز الخلط بين الدولة والحكم. فالدولة نحن جميعاً، أما الحكم فهو مجموعة أشخاص يمثلون مرحلة سياسية، ويعملون وفق رؤيتهم خلال فترة إدارتهم للدولة. لذلك، مهما بلغ الخلاف بين أي مكون لبناني وبين أهل الحكم، لا يعني ذلك أن يسيء هذا المكون إلى الدولة نفسها.

ومن هنا، يجب أن تتمسكوا أكثر بقانون التنظيم المدني، وأن تجعلوا العودة والبناء والترميم ضمن منطق القانون والمؤسسات. فالبقاء الحقيقي لا يتحقق بالفوضى، بل يتحقق بتنظيم الأرض، وحماية الملكيات، واحترام القانون، وبناء القرى على أسس أكثر ثباتاً وأماناً.

الوحدة الوطنية حصن الجنوب

يا أبناء الجنوب، إن الانتماء الوطني والوحدة الوطنية هما حصنكم المنيع. كما أنّ إبراز التطور في التفكير والسلوك هو ردكم الأقوى والأعظم والأكثر فعالية على كل من راهن على انكساركم أو ضياعكم.

اليوم يوم آخر؛ يوم لإعمال العقل والإرادة فوق العاطفة، حتى لا نكرر مآسي التاريخ، وحتى تبقى أرضكم لكم. فالمستقبل لا يبنيه الانفعال، بل يبنيه الوعي. والوطن لا يبقى لمن يرفع الصوت فقط، بل لمن يفهم لغة البقاء، ويحسن إدارة الصمود، ويحوّل الجرح إلى مشروع حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *