الشهيد رشيد كرامي… رجل الوطن في زمن البحث عن دولة

الشهيد رشيد كرامي رجل الوطن والدولة في لبنان
يتناول المقال سيرة الشهيد رشيد كرامي بوصفه رجل دولة ورمزاً وطنياً لبنانياً، ويستعيد حضوره السياسي والأخلاقي في زمن الانقسام، مؤكداً أن نهجه بقي شاهداً على معنى الدولة والشراكة الوطنية....

الشهيد رشيد كرامي وحضور الدولة الغائبة

الشهيد رشيد كرامي لم يعد، بعد كل هذه السنوات، مجرد اسم في تاريخ لبنان أو حقبة عابرة في سجل الحكومات. لقد صار الرجل وطناً يُستقى منه التاريخ حين نريد الحديث عن زمن الدولة، وعن معنى السياسة بوصفها رسالة ومسؤولية لا تجارة رخيصة ولا تهافتاً على المناصب.

لم يكن رشيد كرامي مجرد رئيس حكومة تعاقب على السلطة في جمهورية أرهقتها الانقسامات. بل تحوّل “الأفندي” إلى رمز لمرحلة آمن فيها اللبنانيون بأن الوطن أكبر من الطوائف، وبأن الدولة هي الخيار الوحيد للنجاة. وفي غيابه، لم يخسر لبنان سياسياً فقط، بل خسر بوصلة كانت تشير دائماً إلى الدولة والمؤسسات والشراكة الوطنية.

ذكرى لا تغيب عن ضمير الوطن

تلبيةً لدعوة معالي الوزير فيصل كرامي، حضرتُ هذه الذكرى التي لم تغب يوماً عن ضمير الوطن ووجدانه. فهي ذكرى حاضرة دائماً، حيث يتسابق الجميع للكتابة عن “الرشيد”، وكأنهم يعزفون النشيد الوطني في رسالة وطنية تتزامن مع ذكرى الاستقلال.

لقد بدا الحضور وكأنه أكثر من مناسبة تذكارية. فقد اجتمع الناس حول سيرة رجل لم يختصر نفسه في موقع سياسي، بل ترك أثراً عميقاً في معنى الدولة، وفي ذاكرة طرابلس ولبنان، وفي الوجدان الوطني الذي لا يزال يبحث عن رجال دولة في زمن كثرت فيه الأسماء وقلّت القامات.

فيصل كرامي وإرث العائلة الوطنية

كان مقعدي خلف الوزير فيصل كرامي مباشرة. وقد تقدم نحوي وعانقني بشوق، شاكراً حضوري. وبذلك، أثبت بالفعل لا بالكلام أنّ إرث هذه العائلة العريقة يقوم على التعايش الوطني بمختلف مذاهبه ومشاربه.

إن قمة الحكم والحكمة تظهر في ذلك الاحترام الذي يأسر الناس بالأخلاق العالية، وفي ذلك التواضع الذي يشبه سنبلة القمح حين تنحني من شدة امتلائها بالخيرات. وهذه الأخلاق الرفيعة التي تتحلى بها عائلة كرامي ليست تفصيلاً عابراً، بل عادة نبيلة تجري في عروقهم كدماء الملوك والقادة عبر التاريخ.

فهذا البيت عرف أن الزعامة تعني خدمة الناس، وأن السلطة لا قيمة لها إذا لم تقم على احترام الإنسان وصون كرامته.

خطاب يجدد ثوابت البيت الكرامي

في خطابه، وضع الوزير فيصل كرامي النقاط على الحروف. فقد جدد ثوابت العداء للكيان الصهيوني؛ وكيف لا يفعل ذلك، وهذا البيت كان من واضعي ناموس المقاومة والعداء للاحتلال منذ اغتصاب فلسطين؟

كما أكد انحيازه للعروبة وخياراتها، وهذا جزء أصيل من تاريخ آل كرامي. وشدد كذلك على تمسكه بالدولة، وكيف لا يتمسك بها وهو سليل البيت الذي شكّل حجر الزاوية في بنيان الدولة والوطن؟

لقد حمل الخطاب معنى الاستمرارية، لا بمعنى التكرار، بل بمعنى الوفاء لخط وطني يرى لبنان دولة لا ساحة، ويرى العروبة هوية جامعة لا شعاراً موسمياً.

طرابلس ولبنان في حضرة الرشيد

حضر لبنان بمختلف أطيافه ليشارك في ذكرى الرشيد. كما حضرت طرابلس التي تنظر بفخر واعتزاز وطني إلى ابنها البار، وكأنه ما زال حياً بيننا، سيظهر بعد دقائق ليتحدث إلى الناس.

عظيم هو الرشيد الذي لا يموت. فبعض الرجال يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادرون الذاكرة. وبعضهم يتحول، بعد رحيله، إلى معيار أخلاقي وسياسي تقاس به الأزمنة والرجال والمواقف.

رجل دولة في زمن كثرة السياسيين

في لبنان، يكثر السياسيون ويقل رجال الدولة. وبين ضجيج الأسماء، يبقى رشيد كرامي مدرسة سياسية قامت على فلسفة عميقة: الدولة ليست أبنية من حجر، ولا دساتير ورقية فقط، بل عقد أخلاقي بين المواطن ووطنه.

لم يكن كرامي خطيباً شعبوياً يستدر عواطف الجماهير بالغرائز الطائفية. بل جاء من جيل تربى على فكرة أن قيمة المسؤول تُقاس بما يتركه من ثقة، لا بما يراكمه من نفوذ. وكان يدرك أن هيبة الدولة تبدأ من نزاهة رجالها، وأن المؤسسات وحدها تحمي الصغير من جور الكبير.

فلسفة التعايش في فكر رشيد كرامي

لم ينظر الشهيد رشيد كرامي إلى اللبنانيين بوصفهم جماعات متناحرة، بل رآهم بشراً تجمعهم مخاوف واحدة وآمال واحدة. كما آمن بأن لبنان لا ينفصل عن محيطه العربي، وأن قوة هذا البلد تكمن في قدرته على تحويل تنوعه إلى ثروة لا إلى لعنة.

كانت فلسفته في التعايش تنبع من إيمان حقيقي بأن التنوع في لبنان ثروة إنسانية نادرة. فقد رأى المواطن قبل الطائفة، والإنسان قبل الموقع السياسي، والشراكة قبل الغلبة.

الوطن لا يعيش بغلبة فريق على آخر

آمن رشيد كرامي بأن الوطن الذي يقوم على غلبة فريق لا يعيش طويلاً. أما الوطن الذي يقوم على الشراكة، فيمتلك حصانة البقاء. ومن هنا، لم يحاول يوماً أن ينتصر لطائفة على أخرى، أو لمدينة على حساب أخرى.

لقد حاول أن ينتصر للبنان على انقساماته. وكان يؤكد، بسلوكه قبل خطابه، أن قوة أي طائفة لا تكمن في ضعف شريكتها، بل في قوة الدولة التي تحضن الجميع.

لغة الدولة في زمن الحرب

ربما كانت مأساة الشهيد رشيد كرامي، وهي مأساة لبنان أيضاً، أنه تحدث بلغة الدولة في زمن لم يكن يؤمن إلا بالقوة. ففي سنوات الحرب، حين ارتفعت البنادق فوق الدستور، بقي كرامي متمسكاً بالحلم.

كان يرى ما لا يراه كثيرون. فقد أدرك أن الحروب تنتهي، وأن الميليشيات مهما تضخمت تبقى عابرة، لكن الدولة وحدها هي الحقيقة الباقية. لذلك، اختار معركة العقل في زمن الجنون، ومعركة الوحدة في زمن الانقسام.

تيار الكرامة وفتح النوافذ في زمن الجدران

كان رشيد كرامي واقعياً، يدرك هشاشة لبنان وسحره في آن واحد. ولذلك، ظل يسبح ضد تيار الكراهية، مؤسساً لتيار الكرامة، ومحاولاً فتح النوافذ في الوقت الذي كان الآخرون يبنون الجدران.

لم يطرح الكرامة بوصفها تعالياً على الناس، بل بوصفها شرطاً للسياسة النظيفة. فالكرامة عنده كانت كرامة المواطن، وكرامة الدولة، وكرامة المؤسسات، وكرامة لبنان الذي لا يستطيع أن يعيش إذا تحول إلى مجموعة كانتونات نفسية وطائفية.

اغتيال الجسد وبقاء النهج

عندما اغتيل رشيد كرامي، أراد القتلة أن يئدوا فكرة تقول إن السياسة يمكن أن تكون جسراً لا خندقاً. لكنهم سلبوا جسده، ولم يسقطوا نهجه.

لقد فقد لبنان صوتاً كان يذكّرنا دائماً بأن الوطن لا يستقيم إذا تحولت الطوائف إلى أوطان بديلة، وإذا تحولت الزعامات إلى بدائل عن المؤسسات. ولذلك، لم يكن اغتياله مجرد اغتيال سياسي، بل محاولة لاغتيال معنى الدولة في لحظة لبنانية شديدة القسوة.

كيف نحمي لبنان؟

اليوم، وبعد عقود على رحيله، تبدو سيرة رشيد كرامي أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فالسؤال الذي حمله طوال حياته لا يزال قائماً: كيف نحمي لبنان؟

والجواب الذي تركه لنا في غيابه واضح: لا نحمي لبنان بمزيد من الأحقاد، ولا باستدعاء العصبيات، ولا بتكبير الطوائف على حساب الدولة. نحميه عندما نعيد الاعتبار للدولة، ونستعيد معنى الشراكة الوطنية الصادقة، ونؤمن بأن المؤسسات أقوى من الأشخاص وأبقى من المناصب.

رشيد كرامي ودرس الدولة الباقي

يبقى رشيد كرامي شاهداً على زمن كان فيه رجال الدولة يصنعون التاريخ بمسؤوليتهم وصمتهم الوقور، لا بضجيج مواقفهم. وسيبقى اسمه تذكيراً هادئاً بأن الأوطان لا تُبنى إلا بالعمل، وأن التاريخ يحتفظ دائماً بمكان خاص لأولئك الذين خدموا أوطانهم أكثر مما خدموا أنفسهم.

رشيد كرامي هو الرجل الذي سبق زمنه، فبقي حياً في ضمير وطن لا يزال يبحث عن دولة. ولذلك، لا نستعيد ذكراه لنرثيه فقط، بل لنستعيد من خلالها معنى السياسة حين تكون أخلاقاً، ومعنى الزعامة حين تكون خدمة، ومعنى الوطن حين يكون أكبر من الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *