وهم العباقرة المخنوقين بالمؤامرة
تستيقظ مجتمعاتنا كل صباح على النغمة ذاتها التي ترددها الشاشات والمقاهي بلا توقف:
«أوطاننا تفيض بالعباقرة، لكن المؤامرة السياسية والفساد الإداري يخنقان طاقات الشباب».
تبدو هذه العبارة، في ظاهرها، دفاعاً عن المجتمع، لكنها في العمق تصنع مرثية مريحة تمنح الجميع صك غفران جماعي،
ثم تحول المجتمع كله إلى ضحية بريئة تجلس على مقاعد الانتظار وتترقب حاكماً عادلاً يمد لها يده نحو حداثة مأمولة.
غير أن السؤال الأكثر إزعاجاً يبقى حاضراً: ماذا لو مثلت هذه الرواية نوعاً من التخدير الذاتي؟
وماذا لو نظرنا إلى المرآة بلا مساحيق، ثم طرحنا السؤال الذي يهرب منه كثيرون:
هل نمتلك حقاً نخباً وكفاءات قادرة على القيادة، أم أننا نعيش قحطاً معرفياً حقيقياً؟
وهم الضحية وانتظار المعجزة السياسية
لا تعبر المجتمعات نحو التقدم والرفاهية بضربة حظ، ولا تبني مستقبلها بمجرد الشكوى من السلطة أو انتظار حاكم عادل.
فكل مجتمع حقق تحولاً حقيقياً امتلك رافعة فكرية وثقافية تقود الرأي العام، وتؤثر في القرار، وتجرؤ على تفكيك بنية التخلف من داخل المجتمع نفسه.
لذلك، لا يكفي أن نكرر خطاب المؤامرة والفساد كل يوم، لأن هذا الخطاب،
حين يتحول إلى تفسير وحيد، يعفي المجتمع من مساءلة ذاته. كما أنه يحجب السؤال الأهم:
من ينتج الوعي؟ ومن يراجع المسلمات؟ ومن يكشف البنية الثقافية التي تسمح للطغيان والجهل والرداءة بأن تستمر؟
حين صنعت أمريكا اللاتينية نخبتها الحقيقية
في القرن الماضي، عاشت أمريكا اللاتينية تحت وطأة الجهل والاستبداد والانقلابات العسكرية،
لكنها لم تنتظر معجزة سياسية تهبط من السماء. فقد شمر كتابها ومثقفوها عن أقلامهم، وبدأوا معركة الوعي قبل معركة السلطة.
الأدب بوصفه أداة لتفكيك ثقافة الاستبداد
هكذا فعل الروائي الغواتيمالي ميغيل أنخل أستورياس في روايته الفذة «السيد الرئيس». ثم جاء غابرييل غارسيا ماركيز في «خريف البطريرك»، وماريو فارغاس يوسا في «حفلة التيس»، ليواصلوا المهمة نفسها بجرأة أدبية وفكرية نادرة.
لم يكتف هؤلاء العمالقة، الذين نالوا جوائز نوبل، بشتم السلطة أو تصوير الحاكم بوصفه وحشاً معزولاً عن مجتمعه. بل ذهبوا إلى ما هو أعمق، إذ فككوا النسق الثقافي الذي يسمح بنشوء الطاغية، وشرحوا كيف يتحول الناس، عبر التلقين والخوف والأوهام، إلى قطعان تسير خلف الاستبداد وهي تظن أنها تختار مصيرها.
أشباه المثقفين وأزمة النخبة في واقعنا
أما في واقعنا، فيبدو المشهد أقرب إلى كوميديا سوداء. فقد وصف الروائي السوري حنا مينه أشباه المثقفين بعبارة صادمة حين سماهم «اللبّاخين»، أي أولئك الذين يطلون الجدران الآيلة للسقوط، ويجمّلون الخراب، ويتملقون الجمهور هرباً من قول الحقيقة.
الإعلام حين يتحول إلى أداة لتزييف الوعي
تأمل منصات الإعلام التي يفترض أن تحرس الوعي، وستجد كثيراً منها قد تحول إلى أبواق تسويقية باهتة. فهي لا تصنع معرفة، ولا تطرح أسئلة حقيقية، بل تكتفي بتلقي التوجيهات في رسائل قصيرة، ثم تعيد تدويرها بلغة صاخبة وفقيرة في آن واحد.
حتى اللغة، وهي الأداة الأولى للتفكير والتعبير، تكسرت على ألسنة إعلاميين يعجزون عن قراءة خبر بسيط بلا سقطات نحوية مخجلة. ومع ذلك، يلجأ بعضهم إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي ليرتدي ثياب الفلاسفة والكتاب زيفاً، ظناً منه أن الآلة تمنحه عمقاً لا يملكه، أو تعوض خواءه المعرفي بعبارات براقة.
فائض المتعلمين وشح المثقفين الحقيقيين
لا يقف هذا الهزال عند عتبات استوديوهات الأخبار، بل يدخل الحرم الجامعي أيضاً. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: لدينا فائض في المتعلمين، لكننا نواجه شحاً مرعباً في المثقفين الحقيقيين.
فالحديث عن العلماء والباحثين في مشهدنا المحلي يفقد قيمته أمام غياب الإنتاج الفعلي، وندرة البحوث الرصينة، وضعف الحضور في الجوائز العالمية ومراكز المعرفة المؤثرة. كما أن الشهادات، مهما تكاثرت، لا تصنع نخبة ما لم تقترن بحرية التفكير، وصرامة البحث، وشجاعة نقد المجتمع والسلطة معاً.
وعندما تلمع أسماء عربية مبدعة في الخارج، نندفع غالباً إلى الاحتفال بها بصورة استعراضية، ثم ننسى حقيقة جوهرية: كثير من هؤلاء لم يصنعهم واقعنا المحلي، بل صنعتهم منظومات غربية وفرت لهم مناخ الحرية والبحث والتقدير. ولذلك، لا يكفي أن ننسب نجاحهم إلينا، بينما نعجز عن بناء البيئة التي تسمح لأمثالهم بالنمو داخل أوطاننا.
الحرية بوصفها شرطاً لنمو العقول
أشار الروائي الروسي إيليا أهرنبورغ، في روايته «ذوبان الثلوج»، إلى معنى عميق حين ربط نمو العقول بالمناخ الحر. فالعقل لا يزدهر في بيئة تخاف السؤال، ولا ينتج معرفة رصينة تحت ضغط التلقين والرقابة والتزلف.
وبعبارة أكثر وضوحاً، لا يستطيع السمك أن يسبح في الرمل. وكذلك لا يستطيع الباحث الحقيقي أن يبدع داخل بيئة تطارده بالشك، وتكافئ المطيعين، وتقصي المستقلين، وتستبدل المعرفة بالشعارات.
غياب النخبة المستقلة هو جوهر الأزمة
لا تبني الشعوب أوطانها بالأماني وسوق التبريرات. فالاعتراف بالمرض يفتح أول طريق الشفاء، بينما يطيل الإنكار عمر الأزمة ويمنح الرداءة فرصة جديدة للتمدد.
لم يبدأ التغيير الحقيقي في المجتمعات من مقار الحكومات وحدها، بل بدأ عندما تحركت النخب الحية لتفكيك الأوهام السائدة والمقدسات المزيفة. فقد احتاج كل تحول عميق إلى مثقفين مستقلين لا يرهنون أقلامهم لحزب أو تيار، ولا يطلبون رضا الجمهور، ولا يخشون سخطه حين تفرض الحقيقة كلفتها.
إن غياب هذه النخبة المستقلة يمثل الثقب الأسود الذي يبتلع كل طاقة شابة قبل أن تولد. وبدون صدمة وعي شجاعة تعيد صياغة مفهوم المعرفة والثقافة، سنبقى ندور في حلقة مفرغة: نلعن الظلام الذي تصنعه أيدينا، وننتظر معجزة لن تأتي.


