حزب الله ليس إيرانياً ويجب حمايته داخلياً ودولياً

حزب الله ليس إيرانياً وحماية السلم الأهلي في لبنان
مقال رأي لبناني يناقش حزب الله من زاوية الهوية اللبنانية وحماية السلم الأهلي، ويرى أن رفض الاستئصال والحوار الداخلي هما الطريق الوحيد لحماية لبنان ومنع عودة الحروب والوصايات...

هذا المقال ليس دفاعاً عن حزب الله من زاوية طائفية، بل من زاوية الضرورة الوطنية والوجودية لاستقرار لبنان.

إنه مقال اشتباك فكري، يحاول ترميم الجسور في وقت الانقسام الحاد،

ويطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن حماية لبنان عبر استئصال أحد مكوناته، أم أن حماية الوطن تبدأ برفض منطق الإلغاء؟

لذلك نكرر هذا الكلام، وسنكرره كلما دعت الحاجة: إن حماية لبنان تقتضي حماية السلم الأهلي،

وحماية السلم الأهلي تعني رفض تحويل أي مكوّن لبناني إلى هدف للاستئصال أو الإلغاء، أياً كانت الخلافات السياسية حوله.

فحتى الدول التي تعادي حزب الله في العمق تجد نفسها مضطرة سياسياً إلى التوقف عند حدود معينة تفرضها مقاييس السياسة العالمية.

فالصراعات بين الأمم لا تُدار بمنطق الثأر الشخصي أو الحرب الصفرية التي تنتهي بالفناء، بل بمنطق الاحتواء، وضبط التوازنات، ومنع انهيار الدول.

منطق القوة لا يعني الإلغاء

القوة في المفهوم الاستراتيجي لا تعني الإلغاء الكامل،

بل تعني إدارة التوازنات واحتواء مصادر الخطر والمضي نحو تسويات تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار.

فالعالم الذي يحتضن مليارات البشر لم يوجد ليكون ذا توجه واحد،

ولن يكون كذلك مهما تعاظمت قوة الدول. التعددية ليست شعاراً سياسياً فقط، بل سنة كونية وجزء أصيل من دائرة الحياة التي لا تتوقف.

ومن هنا، فإن التعامل مع حزب الله بوصفه مجرد امتداد خارجي أو جسماً قابلاً للاقتلاع السريع هو تبسيط خطير للواقع اللبناني.

فالحزب، بغض النظر عن الموقف منه، متجذر في بيئة اجتماعية وسياسية لبنانية واسعة، وأي محاولة لإلغائه بالقوة ستتحول بالضرورة إلى أزمة وطنية شاملة.

ترامب وسؤال الاستعانة بسوريا

في هذا السياق جاء كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية دور سوري في مواجهة حزب الله،

ليعيد إلى الذاكرة أسئلة قديمة وخطيرة حول استخدام قوى خارجية أو إقليمية لمعالجة أزمات لبنانية داخلية.

ففي عام 1976، دخل لبنان مرحلة شديدة التعقيد حين تداخلت الدعوات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية،

وانتهى الأمر بوجودين عسكريين ثقيلين: إسرائيلي في الجنوب وصولاً إلى بيروت، وسوري امتد من الشمال إلى العاصمة.

كانت النتيجة أن اللبنانيين وجدوا أنفسهم بين فكي كماشة، ودُمرت مقومات الوطن لعقود،

ولم يتنفس لبنان الصعداء إلا بعد تحرير الجنوب عام 2000، ثم خروج الجيش السوري عام 2005.

ولهذا يحق للبنانيين اليوم أن يتساءلوا: من يضمن ألا يتكرر المشهد بصورة جديدة،

ربما تكون أكثر خطورة، وتؤدي إلى تفكك لبنان أو تقاسمه بين قوى جديدة؟

الخطر السوري ليس تفصيلاً

إن استدعاء سوريا إلى الداخل اللبناني، أو التلويح بدور أمني سوري ضد حزب الله، ليس تفصيلاً عابراً في لحظة توتر.

فسوريا نفسها تعيش تحولات عميقة، وفي داخلها قوى وتيارات واتجاهات لا تشبه بالضرورة سوريا التي عرفها اللبنانيون تاريخياً.

كما أن المزاج السوري، في مدن مثل دمشق وحلب، بات أكثر حساسية تجاه التشدد الديني الوافد،

وتجاه التحولات التي أثرت في صورة سوريا الثقافية والاجتماعية.

ولذلك فإن فتح الباب أمام تدخلات عابرة للحدود قد لا يجلب الاستقرار إلى لبنان،

بل قد ينقل إليه تعقيدات جديدة، لا سيما إذا دخلت على الخط جماعات ذات خلفيات عقائدية وجهادية عابرة للجغرافيا الوطنية.

والسؤال الجوهري هنا ليس: من يستفيد من إضعاف حزب الله؟ بل: ماذا سيستفيد لبنان إذا تحولت أرضه مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات؟

من يستفيد من الحرب؟

قد تستفيد إسرائيل من حرب كهذه، لأنها ترى فيها فرصة لضرب خصمها اللبناني وتقليص قدراته.

وقد تستفيد الولايات المتحدة من إعادة ترتيب بعض أوراقها الإقليمية. وقد تستفيد أطراف أخرى من إضعاف المكون الشيعي الممانع، أو من استنزاف التيارات الإسلامية المتشددة في سوريا ولبنان معاً.

لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا يستفيد لبنان؟

هل يستفيد لبنان من حرب أهلية جديدة؟ هل يستفيد من تهجير مكوناته؟ هل يستفيد من انهيار دولته؟ هل يستفيد من تحويل حدوده إلى مسرح مفتوح للجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية؟

لقد أثبت التاريخ أن إسرائيل أكثر قدرة على تحمل الحروب من لبنان،

وأن الولايات المتحدة بعيدة جغرافياً عن كلفة الانهيار المباشر،

لكن أوروبا نفسها ستجد نفسها أمام تداعيات خطيرة إذا تمدد التطرف والفوضى إلى شرق المتوسط، وأصبح لبنان بوابة جديدة للهجرة والخوف وعدم الاستقرار.

الشيعة وحزب الله في المعادلة اللبنانية

محاولة اقتلاع المكون الشيعي من المعادلة اللبنانية تشبه اقتلاع أشجار الكرز التي اعتاد الموارنة زراعتها حول أشجار التفاح في الجبال العالية والقاسية، لتكون حائط صد يحمي المواسم من الثلوج والصقيع والعواصف.

فحزب الله، في جوهر نشأته اللبنانية، لم يظهر في فراغ. لقد ولد من بيئة عاشت الاحتلال والحرمان والخوف،

وتوجه إلى من يدعمه من أجل تحرير الأرض وحماية البيئة التي خرج منها.

وقد قدم الحزب تضحيات جسيمة، وحقق إنجازات عسكرية وسياسية في محطات مفصلية من تاريخ لبنان،

أبرزها تحرير الجنوب عام 2000، والدفاع عن البلاد في مراحل كادت أن تغرقها في فوضى عارمة.

هذا لا يعني أن الحزب فوق النقد، ولا أن سلاحه خارج النقاش الوطني،

لكنه يعني أن أي نقاش حوله يجب أن يتم من داخل منطق الدولة والحوار، لا من خارج منطق الكيان اللبناني نفسه.

حزب الله وإيران: علاقة دعم لا إلغاء للهوية

إن توجه حزب الله نحو إيران لا يلغي لبنانيته. فالعلاقات الخارجية في تاريخ لبنان ليست استثناءً شيعياً، بل جزء من بنية البلاد السياسية منذ نشأتها.

فقد توجه المسيحيون تاريخياً نحو الغرب طلباً للحماية،

وتوجهت قوى فلسطينية وعربية وإسلامية نحو دول تدعمها سياسياً أو مالياً أو عسكرياً.

وفي كل هذه الحالات، لم يكن الدعم الخارجي يلغي بالضرورة الهوية المحلية للقوى التي تتلقاه.

ومن هنا، فإن اختزال حزب الله في كونه إيرانياً فقط يتجاهل البيئة اللبنانية التي خرج منها،

والظروف التاريخية التي نشأ فيها، والوقائع الاجتماعية التي جعلته جزءاً من بنية لبنان الداخلية.

العلاقة مع إيران قائمة ومؤثرة، ولا يمكن إنكارها. لكنها لا تكفي وحدها لفهم الحزب،

ولا تبرر التعامل معه بوصفه جسماً غريباً يمكن استئصاله من لبنان بلا ثمن وطني.

الشيعة ليسوا تهديداً وجودياً لأحد

الشيعة في لبنان لا يشكلون تهديداً وجودياً لأحد. فهم مكون لبناني أصيل، له ذاكرته وجرحه وخوفه ومصالحه وحقوقه.

والأدبيات الدينية والاجتماعية الشيعية، في عمومها، لا تقوم على مبدأ التكفير،

بل على هوية مذهبية ترى نفسها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والجماعات التي تستهدفها وجودياً.

ولهذا، فإن أي خطاب يحول الشيعة إلى خطر وجودي هو خطاب خطير، لأنه يمهد نفسياً وسياسياً لمنطق العزل ثم الاستهداف ثم التفكيك.

وقد رأينا في تجارب قريبة كيف أن جماعات ومكونات أخرى، مثل الموحدين الدروز في سوريا،

اضطروا في لحظات وجودية قاسية إلى خيارات صعبة لحماية أنفسهم عندما شعروا بأن الخطر يقترب من وجودهم نفسه.

قرار حزب الله والداخل اللبناني

رغم تقاطع المصالح العقائدية والسياسية مع إيران، فإن قادة حزب الله أكدوا مراراً أن قرار الحزب في الداخل اللبناني مرتبط بحسابات لبنانية،

وأنه لا يمكن التعامل مع الحزب بوصفه مجرد مكتب إقليمي تابع للخارج.

وقد شهدت السنوات الأخيرة نقاشات داخلية لبنانية متزايدة حول ضرورة التمييز بين موقع الحزب في الصراع الإقليمي، وبين حضوره داخل النسيج الوطني اللبناني.

وسيحكم التاريخ لاحقاً على قدرة قيادة الحزب الحالية على الحفاظ على هذه المعادلة:

علاقة إقليمية واضحة من جهة، واستقلالية لبنانية في القرار الداخلي من جهة أخرى.

لكن الخشية أن يأتي الاعتراف بهذه الحقيقة متأخراً، حين يجد اللبنانيون أنفسهم مشتتين في عالم جديد،

مجرد أرقام في دفاتر الأمم المتحدة، بعدما يكونون قد تخلوا عن دورهم في حماية وطنهم من الداخل.

حزب الله كضرورة داخل لحظة الانهيار

حزب الله اليوم، في نظر بيئته ومؤيديه، ليس مجرد حزب أو تنظيم، بل ضرورة وجودية للطائفة الشيعية وجزء من معادلة الحماية في لبنان.

ففي وقت يبذل فيه مقاتلو الحزب الدماء على الحدود، تقوم مؤسساته وبيئته الاجتماعية أيضاً بتأمين احتياجات النازحين والمتضررين في قلب المحنة.

وهذه الحقيقة الاجتماعية لا يجوز تجاهلها عند أي قراءة سياسية متوازنة.

لبنان يمر بنكبة حقيقية، ولا يجوز للخلافات السياسية أن تعمي اللبنانيين عن حقيقة أن المكاسب اللفظية لا قيمة لها أمام تدمير الوطن.

فالبلد لا يحتمل مزيداً من الانقسام، ولا يحتمل حرباً أهلية جديدة، ولا يحتمل أن يتحول خلاف اللبنانيين حول حزب الله إلى بوابة لتدمير لبنان كله.

الحوار هو الطريق الوحيد

الدعوة الدائمة يجب أن تكون إلى الحوار، لا إلى الاستئصال.

وإلى الدولة، لا إلى الفوضى. وإلى السلم الأهلي، لا إلى استدعاء الخارج.

يجب أن يراعي المعافى أخاه الجريح، وأن يفهم كل مكون لبناني خوف المكون الآخر، لا أن يستثمر فيه.

فلبنان لا يعيش إلا بالتوازن، ولا ينهض إلا بالاعتراف المتبادل، ولا يبقى إلا إذا اقتنع الجميع أن لا أحد يستطيع إلغاء أحد.

المطلوب ليس إعفاء حزب الله من النقاش الوطني، بل نقله إلى طاولة حوار لبنانية حقيقية،

تبحث في الأمن والسيادة والسلاح والدولة من دون إملاءات خارجية، ومن دون أوهام الاستئصال.

خاتمة

حزب الله ليس إيرانياً بالمعنى الذي يريد البعض استخدامه لنزع لبنانيته.

هو حزب لبناني النشأة والبيئة والحضور، تربطه بإيران علاقة دعم وتحالف وتأثير، لكنه يبقى جزءاً من البنية اللبنانية المعقدة.

وحماية لبنان لا تكون بإلغاء حزب الله، كما لا تكون بإعفاء الحزب من أي نقاش وطني.

الحماية الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأن الاستئصال مستحيل ومدمر، وأن الحوار هو الطريق الوحيد لإنقاذ الدولة والسلم الأهلي.

فلنحفظ لبنان بمساحته الكاملة، 10452 كيلومتراً مربعاً، ولتكن الدولة هي البذرة الصالحة التي تنبت أرزة شامخة تمتد لمئات السنين القادمة.

أما من يظن أن لبنان يمكن أن ينهض فوق ركام أحد مكوناته، فهو لا يحمي الدولة، بل يفتح الباب أمام انهيارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *