أعلن رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، فجر الاثنين 15 حزيران / يونيو 2026،
عن توصل الطرفين الأمريكي والإيراني إلى صياغة شبه نهائية لإطار التفاهمات بينهما،
في تطور سياسي بالغ الحساسية على مستوى المنطقة.
وقد شكّل هذا الإطار، بما تضمنه من نقاط أساسية، ضربة سياسية قوية لدولة الاحتلال الإسرائيلي وحكومتها الائتلافية برئاسة بنيامين نتنياهو،
ولا سيما أن تل أبيب سعت خلال الأيام السابقة إلى عرقلة مسار التفاهم، عبر التصعيد العسكري في لبنان،
وقصف الضاحية الجنوبية في العاصمة بيروت، ومواصلة استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان،
إضافة إلى إصدار المزيد من التهديدات والإنذارات المرتبطة بتهجير المواطنين اللبنانيين من مدنهم وقراهم.
صفعة سياسية لحكومة نتنياهو
تكمن الضربة الأولى في إبرام الاتفاق المبدئي نفسه، وهو المسار الذي حاولت إسرائيل وضع العراقيل أمامه،
لأنها كانت تدرك أن أي تفاهم أمريكي إيراني سيحد من قدرتها على دفع المنطقة نحو حرب مفتوحة تخدم حسابات نتنياهو الداخلية والإقليمية.
أما الضربة الثانية، فتتمثل في القبول الأمريكي الضمني بمنطق ترابط الساحات بين طهران وبيروت وبقية الجبهات المرتبطة بمحور المقاومة،
مقابل بروز فصل نسبي بين الساحة الأمريكية والساحة الإسرائيلية.
وهذا يعني أن واشنطن باتت أكثر استعداداً لإدارة مصالحها المباشرة بمعزل عن السقف الإسرائيلي،
خصوصاً عندما تصبح كلفة التصعيد أكبر من المكاسب المتوقعة.
واشنطن تفرض إيقاعها على تل أبيب
يبدو أن الرئيس دونالد ترامب وإدارته أظهرا استعداداً لفرض منطق التفاهم على نتنياهو وحكومته،
ولهذا جاء الطلب الأمريكي من إيران بعدم الرد على الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان، في محاولة لمنع انهيار المسار التفاوضي.
ورغم أن رئيس حكومة تل أبيب وأركان حكومته أعلنوا رفضهم الالتزام بالانسحاب من لبنان،
والتمترس في المواقع التي سيطروا عليها في الجنوب اللبناني، فإن هذا الإعلان لا يبدو،
وفق تقديرات أطراف من المعارضة الإسرائيلية وخبراء في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ذا قيمة عملية كبيرة.
فهؤلاء يرون أن نتنياهو سيلتزم في النهاية بالقرار الأمريكي، حتى لو كان ذلك رغماً عنه،
لأن حكومته لا تملك أوراق ممانعة كافية في مواجهة الإرادة الأمريكية،
ولأن إسرائيل، في لحظات الحسم الكبرى، تبقى مرتبطة بالمرجعية الاستراتيجية لواشنطن.
فشل الأهداف الإسرائيلية الكبرى
الأهم في الخسائر الإسرائيلية أن حكومة نتنياهو لم تحقق أياً من الأهداف الكبرى التي أعلنت عنها.
فهي لم تغيّر النظام الإيراني، ولم تفرض شروطها في الساحة اللبنانية،
ولم تنجح في إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق أجندتها المشتركة مع الولايات المتحدة.
بل إن القيادة الإيرانية تمكنت، في المقابل، من فرض العديد من محدداتها على واشنطن وتل أبيب وبعض العواصم العربية في الخليج،
وهو ما جعل نتيجة التطورات معاكسة للطموحات الإسرائيلية، بغض النظر عن الموقف من النظام الإيراني سلباً أو إيجاباً.
فبدلاً من أن تنتهي المواجهة بإضعاف إيران بصورة حاسمة،
جاء إطار التفاهم ليؤكد أن طهران ما زالت رقماً صعباً في معادلات المنطقة،
وأن أي تسوية إقليمية لا يمكن أن تتجاوز حضورها ونفوذها.
انعكاسات مباشرة على الائتلاف الإسرائيلي
لهذا التطور انعكاس مباشر على الائتلاف الإسرائيلي الحاكم، الذي سعى،
وما زال يسعى، إلى تعطيل التسوية بين طهران وواشنطن.
فأحد أهم رهانات نتنياهو كان إبقاء دوامة الحرب مشتعلة في الإقليم،
من أجل حماية بقائه في السلطة، ومحاولة استعادة جزء من شعبيته ومكانته في الشارع الإسرائيلي،
خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وتصاعد الضغوط الداخلية عليه.
كما أن قضايا الفساد التي تلاحقه أمام القضاء الإسرائيلي، إضافة إلى أزمات ائتلافه اليميني المتطرف،
والتحولات النوعية في الرأي العام العالمي، ولا سيما في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والغرب عموماً، جعلت موقع نتنياهو أكثر هشاشة.
وتزداد هذه الهشاشة مع اتساع الخسائر المعنوية والسياسية في أوساط قطاعات يهودية عالمية،
وبخاصة بين الشباب، الذين باتوا أكثر انتقاداً لسياسات حكومة نتنياهو وحروبها المفتوحة.
غضب اليمين الإسرائيلي من التفاهم
أثار إطار التفاهم الأمريكي الإيراني غضباً شديداً في أوساط الائتلاف الحاكم في إسرائيل،
حيث اعتبره بعض قادته خيانة للمصالح الإسرائيلية، ووجّهوا انتقادات حادة للرئيس الأمريكي وإدارته،
متهمين واشنطن بأنها خذلت حكومة تل أبيب في لحظة مفصلية.
وقد انعكس هذا التوتر في تصريحات إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي،
الذي دعا إلى مواصلة الحرب على الساحة اللبنانية، بل وإلى استمرار الاحتلال للمناطق التي سيطرت عليها إسرائيل في الجنوب اللبناني.
غير أن هذا الخطاب، رغم حدته، يكشف حجم المأزق الإسرائيلي أكثر مما يعكس قدرة فعلية على كسر القرار الأمريكي.
فكلما اتسعت الفجوة بين واشنطن وتل أبيب، ظهرت حدود قدرة اليمين الإسرائيلي على فرض أجندته عندما تتعارض مع أولويات البيت الأبيض.
فرصة ثمينة للمعارضة الإسرائيلية
في المقابل، شكّل التفاهم الأمريكي مع طهران فرصة مضاعفة للمعارضة الإسرائيلية،
التي بدأت بتوسيع هجومها السياسي على نتنياهو وحكومته.
وترى المعارضة أن هذا الاتفاق يمثل رافعة مهمة في معركتها الانتخابية،
لأنه يكشف أن نتنياهو دفع إسرائيل نحو تصعيد واسع من دون أن يضمن نهايته،
وأنه راهن على استمرار الحرب لحماية مستقبله السياسي، ثم فوجئ بأن واشنطن اختارت مسار التهدئة والتفاهم.
ومن هنا ستسعى المعارضة إلى تقديم إطار التفاهم بوصفه دليلاً على فشل نتنياهو في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة،
وفشله في تحقيق الأهداف التي وعد بها، وفشله في منع إيران من فرض شروطها على مسار التفاوض.
احتمالات الانقسام داخل الليكود
الأيام والأسابيع والشهور القليلة المقبلة قد تحمل تداعيات خطيرة على المشهد الإسرائيلي الداخلي،
وقد تضاعف من حدة الاستقطاب والتجاذب بين الائتلاف الحاكم والمعارضة.
وتشير تقديرات وقراءات إسرائيلية متعددة إلى إمكانية حدوث تصدعات داخل حزب الليكود نفسه،
وربما انسحاب بعض القيادات والكوادر منه، أو تشكيل كتل انتخابية منافسة لزعيم الحزب بنيامين نتنياهو في المرحلة المقبلة.
ويستند أصحاب هذه القراءة إلى أن انفكاك الشراكة السياسية بين نتنياهو وترامب،
أو تراجعها على الأقل، سيضعف قدرة نتنياهو على تسويق نفسه بوصفه رجل العلاقة الخاصة مع واشنطن.
فكل من نتنياهو وترامب يتحرك وفق حساباته الخاصة، وعندما تتعارض هذه الحسابات،
لا يعود التحالف الشخصي كافياً لحماية المصالح الإسرائيلية كما يتصور اليمين الحاكم في تل أبيب.
إسرائيل أمام مرحلة سياسية جديدة
إطار التفاهم الأمريكي الإيراني لا يعني نهاية الصراع بين إسرائيل وإيران، لكنه يكشف أن مرحلة الرهان الإسرائيلي على استمرار الحرب المفتوحة قد تلقت ضربة قوية.
فإسرائيل كانت تريد حرباً تُبقي إيران تحت الضغط، وتمنع حزب الله وبقية أطراف محور المقاومة من التقاط الأنفاس، وتعيد ترتيب المنطقة وفق هواجسها الأمنية. لكن واشنطن اختارت، في هذه اللحظة، مساراً مختلفاً يقوم على التهدئة والتفاوض واحتواء التصعيد.
وهذا التحول سيترك أثره على توازنات السياسة الإسرائيلية، وعلى موقع نتنياهو داخل اليمين، وعلى قدرة المعارضة على تحويل الاتفاق إلى سلاح انتخابي وسياسي ضده.
خاتمة
إن إطار التفاهم الأمريكي الإيراني يمثل محطة مفصلية في مسار الصراع الإقليمي، لأنه كشف حدود الرهان الإسرائيلي على الحرب، وحدود قدرة نتنياهو على التحكم بقرار واشنطن.
كما أنه أظهر أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية ونفوذها السياسي، ليست قادرة دائماً على فرض مسار الأحداث عندما تقرر الولايات المتحدة أن مصالحها تقتضي التهدئة لا التصعيد.
ومن هنا، فإن الخسارة الإسرائيلية لا تكمن فقط في بنود التفاهم، بل في دلالته السياسية: واشنطن تفاوض طهران، وطهران تفرض حضورها، ونتنياهو يجد نفسه أمام واقع جديد لم يستطع تعطيله.
المستقبل المنظور يحمل بالضرورة تحولات نوعية في الساحة الإسرائيلية، وقد يكون إطار التفاهم الأمريكي الإيراني بداية مرحلة جديدة، تُعاد فيها صياغة علاقة تل أبيب بواشنطن، وتتعمق فيها أزمات نتنياهو الداخلية، وتتراجع فيها قدرة إسرائيل على احتكار تعريف أمن المنطقة وفق شروطها وحدها.


