سيادة العراق وغضب الحليم
ليست عبارة «إياك وغضب الحليم» مجرد حكمة متداولة في الثقافة العربية،
بل تلخص تجربة إنسانية طويلة تؤكد أن أكثر الشعوب صبراً قد تصل، في لحظة معينة،
إلى حد لا تستطيع بعده احتمال المزيد من الضغوط أو التجاوزات. ومن هنا، تمثل سيادة العراق جوهر هذا المعنى،
لأن العراق بتاريخ حضاراته الممتدة لآلاف السنين يشبه ذلك الحليم الذي طالما قدّم الحكمة على الانفعال، والحوار على الصدام، والتعايش على الخصومة.
لكن هذا الصبر لا يعني أن العراق يمكن أن يقبل بتحويل سيادته إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات،
أو أن يسمح لأحد بالنظر إلى كرامته الوطنية بوصفها أمراً قابلاً للمساومة. لذلك، فإن الحديث عن العراق لا ينفصل عن كرامة الأوطان، ولا عن حق الدول في حماية قرارها وأرضها وشعبها.
لقد مرّ العراق خلال العقود الماضية بظروف استثنائية لم تشهدها كثير من الدول.
فمن الحروب المتعاقبة إلى الحصار، ومن الإرهاب إلى الأزمات السياسية والاقتصادية، دفع العراقيون ثمناً باهظاً من دمائهم ومستقبل أجيالهم.
ومع ذلك، بقي الأمل قائماً في أن يكون المستقبل أكثر استقراراً، وأن تستعيد الدولة مكانتها الطبيعية في محيطها العربي والإقليمي.
كما بقي الأمل قائماً في بناء علاقات مع الأشقاء على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
سيادة العراق في القانون والعلاقات بين الدول
لا تمثل سيادة الدول مفهوماً نظرياً تدرسه الجامعات في كتب القانون الدولي فحسب، بل تشكل الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين الأمم.
فلا يمكن لأي دولة أن تشعر بالأمان إذا تركت حدودها أو مجالها الجوي أو قرارها الوطني عرضة للانتهاك أو الضغط أو التجاوز.
كما أن احترام السيادة لا يعني فقط الامتناع عن استخدام القوة، بل يشمل أيضاً احترام استقلال القرار الوطني.
إضافة إلى ذلك، يمنع احترام السيادة تحويل الخلافات السياسية إلى وسائل تمس أمن الشعوب واستقرارها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتداء يستهدف الأراضي العراقية، أياً كان مصدره، يمثل قضية وطنية تمس جميع العراقيين قبل أن يكون موضع اختلاف سياسي.
فالدفاع عن سيادة العراق ليس موقفاً حزبياً ولا طائفياً ولا فئوياً، بل واجب وطني يجمع العراقيين على اختلاف انتماءاتهم.
فالأوطان لا تقيس قوتها بحجم الخلافات الداخلية، وإنما بقدرة أبنائها على الاتحاد عندما يتعلق الأمر بحماية الأرض والكرامة.
لذلك، تبقى السيادة نقطة التقاء بين كل من يؤمن بالدولة وكرامة الشعب وحق الوطن في الأمن والاستقرار.
العراق ومحيطه العربي
لقد كان العراق دائماً جزءاً أصيلاً من محيطه العربي، وأسهم عبر تاريخه في الدفاع عن قضايا الأمة.
كما قدم التضحيات في مراحل مختلفة، واحتضن شعوباً كثيرة في أوقات المحن.
ولذلك، ينظر العراقيون إلى علاقاتهم مع الدول العربية بوصفها علاقات أخوة تتجاوز الحسابات الآنية.
فهي تستند إلى التاريخ المشترك، والجغرافيا الواحدة، والدين والثقافة، والمصير المتداخل.
ومن بين هذه العلاقات، تبرز العلاقة مع المملكة العربية السعودية باعتبارها علاقة بين دولتين عربيتين كبيرتين.
ويفترض أن يجمعهما الحرص على أمن المنطقة واستقرارها، لا أن تدفعهما الخلافات إلى مسارات تضر بالجميع.
ومن الطبيعي أن تختلف الدول في بعض الملفات السياسية أو الاقتصادية، فهذا أمر يحدث بين جميع دول العالم.
لكن الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للمساس بسيادة أي دولة أو الإضرار باستقرارها، لأن الخاسر في النهاية هو الجميع.
العتب العراقي ومعنى الأخوة العربية
إن العتب الذي يشعر به كثير من العراقيين، عندما يرون مواقف لا تنسجم مع تطلعاتهم إلى علاقة عربية متوازنة، لا ينبع من الرغبة في التصعيد. بل يعبر عن تطلع واضح إلى أن تكون الأخوة العربية حقيقة عملية، لا مجرد شعارات ترفعها الدول في المناسبات الرسمية.
فالأخوة تختبر في الأوقات الصعبة، ويظهر معناها الحقيقي عندما تحترم الدول سيادة بعضها بعضاً.
كما تظهر قيمتها عندما تصون الحكومات أمن الشعوب، وتقدم لغة الحوار على لغة المواجهة.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن استخدام القوة لا يصنع سلاماً دائماً. كما أثبتت أن الأزمات العسكرية، مهما حققت من مكاسب مؤقتة، تترك آثاراً عميقة تمتد لسنوات طويلة.
وما تزال شعوب الشرق الأوسط تدفع ثمن صراعات لم تشارك في صنعها، لكنها كانت الضحية الأولى لنتائجها.
لذلك، تقتضي الحكمة أن يكون الحل دائماً في الحوار والاحترام المتبادل والالتزام بالقانون الدولي، لا في السياسات التي تزيد المشهد تعقيداً.
سيادة العراق وحق القرار الوطني
يسعى العراق اليوم، رغم كل التحديات، إلى تثبيت موقعه كدولة مستقلة ذات قرار وطني.
كما يسعى إلى التعاون مع الجميع وفق قاعدة المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ولا ينبغي أن يفهم هذا التوجه على أنه انحياز ضد أحد، بل هو حق طبيعي لأي دولة ذات سيادة تريد إقامة علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.
ومن هنا، تمثل سيادة العراق أساساً لأي علاقة سليمة مع المحيط العربي والإقليمي.
إن الشعب العراقي، الذي قدم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى خلال العقود الماضية، يعرف جيداً قيمة الأمن والاستقرار.
لذلك، لا يبحث هذا الشعب عن صراع جديد، ولا يتمنى أن يرى المنطقة تدخل في دوامة نزاعات إضافية.
لكنه في الوقت نفسه يتطلع إلى أن يعامل الآخرون وطنه بالاحترام الذي تستحقه كل دولة مستقلة. كما يتطلع إلى أن تصان حدوده وسماؤه وقراره الوطني من أي انتهاك.
الثقة والاحترام أساس العلاقات بين الأشقاء
يعلمنا التاريخ أن الأمم لا تبني مكانتها بالقوة وحدها، بل تبنيها بالثقة والاحترام والتعاون. فكم من دول امتلكت القوة العسكرية، لكنها خسرت احترام الشعوب، وكم من دول اختارت الحكمة، فربحت المكانة والسمعة الطيبة.
ولهذا، ينبغي أن تقوم العلاقات بين الأشقاء على قاعدة رابح ـ رابح، لا على منطق الغالب والمغلوب.
كما ينبغي أن تفتح هذه العلاقات الطريق أمام التعاون، لا أن تعيد إنتاج الشكوك والمخاوف.
إن الشعوب العربية تتطلع اليوم إلى مرحلة جديدة تغلق فيها الدول صفحات الصراعات، وتفتح أبواب التنمية والاستثمار والتعليم والاقتصاد والثقافة. فالمنطقة تمتلك من الموارد والإمكانات البشرية ما يجعلها قادرة على أن تكون نموذجاً في التعاون إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.
أما استمرار التوترات، فلن يخدم سوى الفقر والتخلف وتعطيل فرص التنمية.
لذلك، فإن الحكمة السياسية تتطلب تحويل المشتركات إلى فرص تعاون، لا تحويل الخلافات إلى مصادر توتر دائم.
العراق ركيزة للاستقرار الإقليمي
في هذا السياق، يمتلك العراق من التاريخ والموارد والكفاءات ما يؤهله ليكون ركيزة للاستقرار الإقليمي، لا ساحة لتصفية الحسابات. فكلما كان العراق مستقراً وقوياً، انعكس ذلك إيجاباً على أمن المنطقة بأكملها، والعكس صحيح.
ولهذا، فإن حماية استقرار العراق ليست مصلحة عراقية فحسب، بل مصلحة عربية وإقليمية مشتركة.
كما أن احترام سيادة العراق يفتح الباب أمام بناء بيئة سياسية أكثر أمناً وتوازناً.
إن احترام السيادة لا يعني إغلاق أبواب الحوار أو التعاون، بل على العكس تماماً، فهو يفتح الطريق أمام بناء شراكات أكثر رسوخاً. فعندما تشعر الدول بأن استقلالها محفوظ وكرامتها مصونة، تصبح أكثر استعداداً للتعاون في ملفات الاقتصاد والطاقة والأمن ومكافحة الإرهاب والتنمية المستدامة.
أما إذا شعر أي شعب بأن سيادته أصبحت موضع استهانة، فإن مشاعر الإحباط والغضب تتراكم. وقد تؤثر هذه المشاعر في نظرة الأجيال المقبلة إلى طبيعة العلاقات مع الآخرين.
ومن هنا تأتي أهمية معالجة أي خلافات بالحكمة والدبلوماسية. فما يبنى بالحوار يبقى، بينما ما تفرضه القوة غالباً ما يبقى مؤقتاً، ثم يترك خلفه آثاراً يصعب احتواؤها.
الصبر لا يعني التنازل عن الحقوق
لا يحتاج العراق إلى من يذكّره بقيمة الصبر، فقد مارس هذا الصبر لعقود طويلة وهو يواجه أزمات متلاحقة. لكن الصبر لا يعني التنازل عن الحقوق، ولا القبول بانتهاك السيادة، ولا السكوت عن أي تجاوز يمس الكرامة الوطنية.
فالحليم قد يصبر كثيراً، لكنه عندما يدافع عن حقه يفعل ذلك انطلاقاً من شعوره بالمسؤولية تجاه وطنه وأجياله. ولذلك، تبقى الحكمة العربية القديمة «إياك وغضب الحليم» دعوة إلى تجنب الأسباب التي تؤدي إلى الاحتقان.
كما تمثل هذه الحكمة دعوة إلى تغليب لغة العقل قبل أن تصل الأمور إلى مراحل يصعب احتواؤها. وهي ليست دعوة إلى المواجهة، بل دعوة إلى احترام الآخر وعدم الاستخفاف بصبره أو حقوقه.
سيادة العراق وجسور المستقبل
يبقى الأمل أن تقوم العلاقات العربية على التكامل لا التنافس، وعلى الحوار لا القطيعة، وعلى الاحترام المتبادل لا فرض الإرادات. فالعراق والسعودية، كما بقية الدول العربية، تجمعها روابط دينية وثقافية وإنسانية طويلة.
ولا ينبغي أن تهتز هذه الروابط بسبب أي خلاف سياسي، لأن المستقبل يحتاج إلى جسور تعاون أكثر مما يحتاج إلى جدران من الشكوك. لذلك، فإن حماية العلاقات العربية تبدأ من احترام السيادة، وتكبر عبر الحوار والثقة والمصالح المشتركة.
وفي الختام، سيظل العراق وطناً عصياً على الانكسار بإرادة شعبه وتضحيات أبنائه. وستبقى سيادة العراق وكرامته خطاً أحمر في وجدان العراقيين، لأن الأوطان لا تقاس بما مرت به من محن، بل بما تمتلكه من قدرة على النهوض بعد كل أزمة.
وسيظل التاريخ شاهداً على مواقف الدول والشعوب: من وقف إلى جانب العراق، ومن احترم سيادته، ومن اختار طريق الحكمة والتعاون. فالأوطان تبقى، أما الخلافات السياسية فمهما طالت فإنها إلى زوال، ويبقى الاحترام المتبادل هو الأساس الذي تبنى عليه العلاقات الراسخة بين الأشقاء.


