خيمة صفوان ودرس الفطور الصباحي
العراق والكويت تصدّرا ترند الأخبار في 2 آب عام 1990، ذلك اليوم الذي لن ينساه العراق ولا الكويت ولا العرب ولا الخليج، بل لن ينساه العالم. ومن هنا، تعود خيمة صفوان بوصفها درساً تاريخياً قاسياً، لا تزال فاتورته مفتوحة إلى اليوم.
كان البلدان عربيين مسلمين، وتربطهما علاقات ووشائج لا نردد أنها قوية فقط، بل متماسكة كالحجر الصوان. لكن فجأة، وبعد اتصال هاتفي بأمير الكويت، جاءت عبارة «الولد يتريگون يمك»، والريوك بالعراقي يعني وجبة الفطور الصباحي.
استعد البلاط الأميري لاستقبال «الولد»، وهي كناية عن أبناء رئيس النظام العراقي السابق. لكن، وما أدراك ما لكن، من حضر من الولد؟
الحقيقة أن من حضر لم يكونوا ضيوف فطور، بل قوات عسكرية ممن يثق بهم النظام السابق، ويعدهم من المخلصين وثابتي الولاء. لذلك استخدمهم في هذه المغامرة، وفق وعد غير محسوب العواقب والنتائج، وما زلنا ندفع ثمن فاتورة ذلك الفطور الصباحي إلى اليوم.
من حرب الخليج إلى حرب إيران وأمريكا
تتناظر حرب إيران وأمريكا مع حرب الخليج من زاوية الدرس السياسي والتفاوضي. لذلك، ستبقى حرب الاثني عشر يوماً وحرب الأربعين يوماً مضماراً للتحليل في مختلف المجالات.
أما المفاوضات التي جاءت بعد هدنة الحرب، فستبقى لعقود داخل مدرسة التفاوض، لأنها قدمت نموذجاً مختلفاً في إدارة الصراع والضغط والنتائج.
رعت دول عديدة المفاوضات، ومنها باكستان التي نجحت في تحويل المسار نحو التفاوض، بعد أن كانت طبول الحرب المتجددة قاب قوسين أو أدنى.
ولا تزال معادلة التفاوض بندّية نوعية فاعلة إلى اليوم، بعد أشهر من وقف القتال. وبرغم الضربات والملفات الضاغطة، بقيت الملفات الحاكمة عسكرياً وأمنياً واقتصادياً، ومنها مضيق هرمز، على طاولة التفاوض.
خيمة صفوان وسؤال فشل المفاوض العراقي
يبرز هنا سؤال واضح: لماذا تمكن الوفد المفاوض الإيراني من قلب موازين التفاوض أمام ترامب وأمريكا، بينما أخفق المفاوض العراقي؟
الإجابة ببساطة شديدة أن العراقي تفاوض من أجل بقاء رئيس النظام السابق فقط، بينما فاوض الإيراني من أجل أهداف محددة.
فالتفاوض والمفاوضات، وفق أي مسار ناجح، يتطلبان إعداداً واضحاً. كما يتطلبان أهدافاً محددة، وتهيئة داخلية للنتائج، وبناء إجماع داخلي.
كذلك يحتاج التفاوض إلى تحديد استراتيجية وأهداف واضحة قبل الانخراط في المفاوضات الخارجية، لأن النتائج تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في الاتفاق، وتترك أثرها العميق في الواقع.
الخطوط العامة للمفاوضات
لنستعرض الخطوط العامة للمفاوضات. فقد أوضح ترامب عدة نقاط رئيسية:
يمكن توقيع الاتفاقية مع المرشد الجديد.
الإيرانيون يتقاتلون فيما بينهم على القيادة.
نمتلك جميع الأوراق، وبإمكان الإيرانيين الاتصال بي.
إيران عرضت الكثير، لكن هذا ليس كافياً.
لن نسافر 16 ساعة لنتحدث إلى أناس لا نعلم من هم.
نريد المضي باتفاق.
في المقابل، كان الإيرانيون واضحين وثابتين في مواقفهم، وحددوا مطالبهم بصورة مباشرة:
رفع الحصار.
طرف موثوق.
وحدة الساحات.وحدة المطالب.وحدة المواقف.
مضيق هرمز بيدنا.
البرنامج الصاروخي والمسيرات والنووي ملفات يمكن التفاهم عليها.
ما تقدم يوضح، ببساطة، جوهر مفاوضات واتفاق باكستان. فقد دخل الإيرانيون المفاوضات برؤية واضحة، ومطالب محددة، وأدوات ضغط حاضرة على الأرض.
خيمة صفوان وخيمة باكستان
في عام 1991، بعد الحرب الأمريكية على العراق واستسلام صدام، فاوضت أمريكا على أرض عراقية داخل خيمة صفوان، وبصيغة غير ندّية.
مثّل العراق يومها وزير الدفاع سلطان هاشم، حيث نزع الأمريكيون سلاحه وفتشوه قبل دخول خيمة المفاوضات. ثم وقّع على وثيقة استسلام صريحة وبيضاء، بتنازلات ودفع تعويضات فرضتها أمريكا.
أما اليوم، فتفاوض إيران أكبر قوة في العالم من موقع الندّية، برغم تجدد القصف وتكرار الضربات. فهي تفاوض علم مقابل علم، وعلى أرض محايدة، وبلا خضوع ولا إذعان.
لذلك دخلت إيران المفاوضات من موقع قوة، تملك قرارها، وتفرض احترامها، وتثبت أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والصبر والصلابة لا يمكن أن تُكسر.
كما يحسب لإيران أنها استطاعت أن تفرض نفسها لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه، وأن تجبر خصومها على الجلوس معها بندّية، لا بلغة الأوامر، بل بشجاعة وصلابة.
العراق في خيمة صفوان وإيران في خيمة باكستان
العراق في خيمة صفوان وُضع رسمياً تحت احتلال وهيمنة اقتصادية وعسكرية أمريكية، بتوقيعه على ورقة بيضاء، إلا من أمر واحد فقط: بقاء الحاكم وأركان نظامه.
لكن حتى هذا الخنوع المطلق لم ينفع، فسقط النظام والحاكم كما تسقط أوراق الخريف، في سجل ضم بين طياته الجوع والحرمان والبطش والظلم للمواطن البسيط.
هكذا، في مثل هذا اليوم، دخلنا التاريخ كمحتلين، وأُخرجنا بذل وشروط، لنرفع رايات الاستسلام. ثم كابد الشعب الأمرّين من تلك الشروط إلى اليوم.
من هنا، تقدم خيمة صفوان ثم باكستان درساً كبيراً يجب الإفادة من دروسه. فهذه هي عظمة دروس التاريخ لمن يتعظ، ولا يتغنى بنصر لم يجلب سوى الخنوع والجوع.
فهل من متعظ؟


