سيادة العراق بين الدبلوماسية والقصف
ليست العلاقات بين الدول مجرد اتفاقيات اقتصادية أو زيارات رسمية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على الاحترام المتبادل والثقة والالتزام بالقانون الدولي. وفي هذا السياق، تصبح سيادة العراق معياراً أساسياً لفهم خطورة استبدال لغة الحوار بالقصف والدبلوماسية بالصواريخ، لأن الخاسر الأول هو الاستقرار، والخاسر الأكبر هو الشعوب.
خلال الأشهر الماضية، نجحت الحكومة العراقية في بناء مسار جديد من العلاقات مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وقد تُوّج هذا المسار بزيارة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي إلى واشنطن، حيث جرى توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم لتعزيز الشراكة الاقتصادية. كما كانت بغداد تستعد لزيارة عمل مهمة إلى الرياض، بهدف تطوير آفاق التعاون بين البلدين.
غير أن هذا المسار تلقى ضربة قاسية بعد الهجمات التي استهدفت المملكة العربية السعودية.
وقد وُجهت على إثرها اتهامات إلى فصائل عراقية مقربة من إيران، في حين نفت تلك الفصائل أي علاقة لها بتلك الهجمات.
وفي المقابل، أعلنت الحكومة العراقية تشكيل لجنة تحقيق رسمية لكشف الحقيقة،
والتأكد مما إذا كانت الأراضي العراقية قد استُخدمت في تنفيذ تلك العمليات، مع التعهد بمحاسبة أي جهة يثبت تورطها وفق القانون.
سيادة العراق واستهداف المؤسسات الرسمية
ورغم هذا المسار الرسمي، شهد العراق عملية عسكرية واسعة أعلنت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية خلالها استهداف مقرات لهيئة الحشد الشعبي في عدد من المحافظات العراقية. وأسفرت العملية عن سقوط شهداء وجرحى، وتدمير مقرات تابعة لهذه المؤسسة الأمنية الرسمية، التي تعد جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية بموجب القانون.
إن استهداف مؤسسة أمنية عراقية رسمية يمثل تطوراً بالغ الخطورة.
ولا يعود ذلك إلى الخسائر البشرية والمادية فقط، بل لأنه يمس هيبة الدولة العراقية وسيادتها،
ويبعث برسالة مفادها أن القوة العسكرية أصبحت بديلاً عن القانون والحوار.
إذا كانت لدى أي دولة معلومات أو أدلة تتعلق بالهجمات التي تعرضت لها،
فإن الطريق الطبيعي هو تسليمها إلى الحكومة العراقية وانتظار نتائج التحقيقات.
ولا يجوز تجاوز مؤسسات الدولة واللجوء إلى القصف العسكري داخل أراضيها،
فاحترام سيادة الدول ليس خياراً سياسياً، بل قاعدة راسخة في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
إن العراق اليوم لا يمتلك منظومة دفاع جوي متكاملة تمكنه من حماية أجوائه بصورة كاملة.
واستغلال هذا الواقع لتنفيذ ضربات عسكرية داخل أراضيه لا يمكن تبريره سياسياً أو أخلاقياً، لأنه يكرس منطق فرض الإرادة بالقوة على حساب احترام سيادة الدول.
سيادة العراق وخطر تحويله إلى ساحة صراع
كما أن الزج بالعراق في أتون الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران يمثل خطراً حقيقياً على أمن المنطقة بأسرها.
فالعراق ليس طرفاً في تلك المواجهة، ولا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية أو تصفية الحسابات الإقليمية.
إن بناء الشراكات الاستراتيجية لا يكون بإلقاء القنابل، وإنما باحترام الحكومات والتنسيق معها.
كما أن الثقة لا تُبنى بانتهاك الأجواء واستهداف المؤسسات الرسمية، بل بالالتزام بالقانون الدولي ومنح الدبلوماسية الفرصة الكاملة قبل اللجوء إلى أي إجراء آخر.
لقد دفع العراق على مدى عقود ثمناً باهظاً للحروب والصراعات. ومن حق شعبه أن يعيش في دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، لا تُستباح أراضيها كلما تصاعدت الأزمات في المنطقة.
احترام سيادة العراق واجب قانوني
إن احترام سيادة العراق ليس خدمة تقدم له، بل واجب يفرضه القانون الدولي على الجميع،
كبيرهم قبل صغيرهم. أما سياسة القوة، فإنها قد تحقق أهدافاً عسكرية مؤقتة،
لكنها لن تصنع سلاماً دائماً، ولن تبني علاقات قائمة على الثقة والاحترام.
وسيظل العراق، مهما اشتدت الضغوط، دولة ذات سيادة. وسيظل الدفاع عن هذه السيادة واجباً وطنياً وأخلاقياً وقانونياً،
لأن الدول التي تفرط بسيادتها تفرط بمستقبلها. أما الدول التي تتمسك بحقوقها وفق القانون الدولي، فإنها تضع الأساس لاستقرار دائم يحفظ كرامة الوطن وكرامة شعبه.


