أولاً: الثقافة حالة تاريخيّة:
إن الثقافة بدأت تاريخيّاً مع بدء تفكير الإنسان في استخدام أول وسيلة عمل (حجر- عصا) بوعي حر وإرادة حرّة, للتأثير في الطبيعة من أجل انتاج خيراته الماديّة. ومع هذا الاستخدام, راح الإنسان في كل مرة ينتج فيها وسائل إنتاج جديدة, ويعمل على تطويرها, كان في الحقيقة يعمل أيضاً على إعادة تشكيل حياته الماديّة والفكريّة ذاتها وتطويرها بواسطة هذه الوسائل أيضاً. أي يعيد خلق نفسه ذاتها من جديد, هذا الخلق الذي يتمثل في تطوير وعيه ومهاراته ونفسيته وجملته العصبيّة وأسلوب حياته وحاجاته من طعام ولباس ومسكن وعلاقات اجتماعيّة وروحيّة وغير ذلك بشكل مستمر. والأهم قدرته على التفاعل جدليّاً مع الطبيعة المحيطة به من خلال كشف أسرارها والتحكم بها من جهة, ثم كشف تأثير هذه الطبيعة على بنيته العقليّة والعصبيّة, وعلى مهارته الداخليّة النشطة من جهة ثانية. فمن خلال الممارسة القائمة على تلك العلاقة الجدليّة بين الإنسان والبيئة الطبيعيّة المحيطة به تاريخيّاً, استطاع هذا الإنسان على سبيل المثال لا الحصر, اكتشاف الألوان والقدرة على تطابقها مع تطور حاسة النظر عنده, ثم قدرته علي استخدام الألوان ذاتها في صناعة الفنون التشكيليّة التي راحت بدورها تأثر على جملته العصبيّة والأخلاقيّة والنفسيّة والروحيّة.
نقول: إذا كانت الثقافة تعني لدى المجتمعات البدائيّة الزراعة والحرفة. إلا أنها تطورت في المجتمعات أو المراحل التاريخيّة اللاحقة التي ازداد فيها النشاط الإنساني في المجالين المادي والفكري/ الروحي, حيث أصبحت أكثر شموليّة واتساعاً في حياة الإنسان, وأخذت تتطور في دلالاتها لتعبر بالضرورة عن الحياة الفكريّة والسلوكيّة للفرد والمجتمع, مع كل المهارات والمواقف الداخليّة النشطة التي تجذرت في بنيته النفسيّة والأخلاقيّة وحتى الفيزيائيّة.
ثانياً: الثقافة هويّة:
إن الثقافة وفق هذه التحولات التاريخيّة العميقة في شكلها ومضمونها ودلالاتها, أخذت تشكل:
1: هويّة الفرد, كفرد يشعر بذاته ومكانته الاجتماعيّة ودوره في المجتمع, فمن حيث ممارسة الفرد ونشاطه ومهنته رحنا نعرف بها الحداد والنجار والنساج والكاتب ورجل الدين …الخ. أي إن المهنة التي يمارسها الفرد كحالة ثقافيّة, منحته صفتها وشكلت هويّه ثانية له إضافة لصفته وكينونته, أي هويته كإنسان.
2: كما راحت تشكل هويّة المجتمع بمجموع أفراده, حيث أخذت الثقافة تخلق منهم مكونات اجتماعيّة متعددة الانتماءات أو الهويات, عرقيّة كانت, أو دينيّة بكل أبعادها طائفيّة كانت أو مذهبيّة, أو مكونات قبليّة أو حزبيّة أو طبقيّة. إضافة إلى خصائص العمل الممارس من قبل هذا المجتمع أو ذاك, كأن نقول: مجتمعاً زراعيّا, أو صناعيّاً, أو تجاريّاً أو رعويّاً.. وغير ذلك. هذا وتأتي في أعلى مستويات هذه التشكل الثقافي هويّة الأمّة. فتشكل الأمم ثقافيّاً وبالتالي حضاريّاً, يؤدي إلى تمايز في الهويّة بين الأمم, كان نقول الحضارة العربيّة, والهنديّة والفارسيّة والأوربية.. الخ.


