“الحامل الاجتماعي”: هو القوى الاجتماعيّة المؤهلة لقيادة الدولة والمجتمع, وبالتالي حركة التحرر العربيّة وتحقيق نهضتها, وهو غالباً ما يُمثل طبقيّاً, كما هو الحال في أوربا الطبقة الثالثة (البرجوازيّة) على سبيل المثال لا الحصر, التي استطاعت القضاء على السلطات الاستبداديّة آنذاك, (الكنيسة, والنبلاء, والملك ), محققة انتشارا واسعاً للفكر التنويري بين شعوبها, هذا الفكر الذي مثلته شعارات الحريّة والعدالة والمساواة التي ترافقت مع ثورة اقتصاديّة وتكنولوجيّة وعلميّة هائلة, قلبت معظم قوى الإنتاج وعلاقاته التقليديّة وبنائها الفوقي السائدة آنذاك (أي الرؤى والأفكار والمبادئ والقوانين التي مثلها نظام (الملك والكنيسة والنبلاء), معلنة في الوقت نفسه مشروعاً سياسياً عقلانيّاً وديمقراطيّاً, ألغى معطيات القيم السياسيّة القائمة على التراتبيّة الاجتماعيّة, ليحل بدلاً عنها مبدأ المواطنة ودولة القانون. مع غض النظر هنا عن التحولات العميقة التي انتابت هذه الطبقة بعد وصولها إلى السلطة حيث راحت تتمسك بالسلطة وتحول الدولة وقوانينها لمصلحتها, فراحت تمارس القمع ضد شعوبها وشعوب العالم الثالث فيما بعد,
نقول : إن مثل هذا الحامل الاجتماعي أو غيره من الحوامل الاجتماعية التي وصلت إلى وعي الذات, لم يتوفر في مجتمعاتنا حتى اليوم, وكل الذي توفر هو قوى اجتماعية شكلت شرئح أو سافات اجتماعيّة عسكرية بمعظها أو مدنية ركبت موجة العسكرة في توجهاتها, أهلتها الظروف الموضوعيّة والذاتيّة للوجود الاجتماعي المتخلف للوصول إلى السلطة, حيث كان للتعليم والجيش والأيديولوجيا الدور الكبير في خلق قسم كبير منها, لذلك ظلت النخب المتعلمة من العسكر ورجال دين ومثقفين وذوي الشهادات الدراسيّة العليا, يمثلون الحامل الاجتماعي النهضوي لهذه الأمّة منذ بداية القرن التاسع عشر حتى هذا التاريخ.
إنّ أزمة الحامل الاجتماعي النهضوي لا تُختزل في غياب طبقة اجتماعية بعينها، بل تكمن في تعثر تشكل كتلة تاريخية تمتلك رؤية حضارية جامعة، قادرة على تحويل التنوع الاجتماعي إلى قوة منتجة للتغيير. فالتجارب النهضوية الناجحة تؤكد أن التحولات الكبرى لا تصنعها النخب المنعزلة، وإنما التفاعل الخلاق بين الوعي والمؤسسات والمصالح المشتركة ضمن مشروع وطني طويل الأمد. وعندما يغيب هذا التفاعل، تتراجع المبادرات الإصلاحية إلى حدودها الفردية، بينما تستمر البنى التقليدية في إعادة إنتاج الانقسام وإعاقة تشكل إرادة اجتماعية قادرة على قيادة النهضة.
أما الإشكال الأساس الذي ظلت تعاني منه هذه النخب, فهو عدم انتمائها إلى بنية طبقيّة واحدة, أو مشروع سياسيي وفكري واحد, لذلك اختلفت في مناهجها وطموحاتها وتطلعاتها النهضوية, الأمر الذي ساعد كثيراً على سيادة الصراع والتناقض بينها, وسطوة شعارات براقة مبتورة عن الواقع المعاش تحركها بدل الوحدة والانسجام في الرؤية والممارسة معاً, وهذا بدوره انعكس سلباً على مسيرة حركة التحرر العربيّة ونهضة هذه الأمّة حتى اليوم.


