الزمن، ميزان التحول وشاهد المعنى

الزمن، ميزان التحول وشاهد المعنى
الزمن ليس مقياساً للعمر فقط، بل ميزان للتحول ومعيار لما يصنعه الإنسان من وعي وأثر. فقيمته تتجلى في اغتنام الفرص، وتحويل التجارب إلى حكمة، وترك معنى يبقى بعد انقضاء زمن الجسد....

حين نتحدث عن الزمن، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو ذلك التعاقب المستمر للساعات والأيام والسنوات، وكأن الزمن مجرد وعاء تتحرك داخله حياتنا من الميلاد إلى الرحيل. غير أنني أرى أن الزمن أعمق من أن يكون مقياسًا للعمر، فهو في رؤيتي ميزان للتحول، لا يسأل الإنسان، كم سنة عشت؟ بل يسأله، ماذا أصبحت خلال ما عشت؟ فالزمن لا يصنع الإنسان من تلقاء نفسه، وإنما يكشف ما صنعه الإنسان بنفسه. قد تمر الأعوام على شخص فتضيف إلى عمره أرقامًا، لكنها لا تضيف إلى وعيه شيئًا، وقد تمر على آخر فتحول التجربة فيه إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى أثر. ومن هنا يبدو الزمن واحدًا من أعظم الحدود التي تحكم عالم الخلق. فكل ما يدخل هذا العالم يبدأ ويتغير وينتقل من حال إلى حال. يولد الإنسان، وينمو، ويشيخ. تنبت الشجرة، وتثمر، ثم تذبل. تنهض الحضارات، وتبلغ ذروة قوتها، ثم تتراجع. حتى النجوم التي تبدو لنا بعيدة وثابتة لها ميلاد وتحولات وأفول. وكأن الزمن يضع ختم المحدودية على عالم الخلق كله. وهنا يفتح التأمل في الزمن بابًا من أبواب التوحيد، لأن إدراكنا لتغير الموجودات يقودنا إلى إدراك الفرق بين المحدود والمطلق، وبين المخلوق والخالق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. إن الفناء هنا لا يمكن اختزاله في الموت وحده، بل يمكن النظر إليه بوصفه وصفًا لطبيعة العالم المقيد. فما كان داخل الزمن كان عرضة للتحول، وما كان متغيرًا لا يملك بقاءه من ذاته. ومن هذه الزاوية يصبح الزمن آية تكشف الفرق بين من يخضع لقانون التغير، ومن أوجد هذا القانون. وقد اقترب الفكر الفلسفي من هذا السؤال منذ زمن بعيد، فوصف أفلاطون الزمن بأنه صورة متحركة للأبدية. وهنا لا تبدو الفلسفة بعيدة عن السؤال الإيماني، وإن اختلفت اللغة والمداخل. فكل منهما يحاول فهم العلاقة بين عالم متغير نعيش داخله، وبين سؤال الثبات والمطلق والأبدية. وهذا هو حوار الحضارات الذي نحتاج إليه اليوم، ألا نجعل الأفكار جزرًا معزولة، بل نبحث عن المساحات التي يلتقي فيها السؤال الإنساني، وإن اختلفت طرق التعبير عنه. غير أن الزمن لا يكشف محدودية الإنسان فقط، بل يكشف قيمته أيضًا. فالناس جميعًا يعيشون تحت قانون الزمن، لكنهم لا يصنعون داخله الشيء نفسه. قد تكون ساعة عند إنسان فراغًا كاملًا، وتكون الساعة نفسها عند آخر معرفة، أو عملًا، أو رحمة، أو قرارًا يغير مسار حياته. ولهذا فإن قيمة الزمن ليست في طوله وحده، بل في مقدار المعنى الذي نضعه فيه. وقد نُسب إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: «الفرصة تمر مر السحاب». وفي هذه الحكمة يتحول الزمن من مدة إلى فرصة. فالسحاب يمر ولا ينتظر، واللحظة التي لا نمتلك وعيها قد لا ندرك قيمتها إلا بعد أن تصبح جزءًا من الماضي. وهذا المعنى يلتقي مع قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. فالليل والنهار ليسا مجرد وحدتين لقياس الوقت، بل مجالان للتذكر والمراجعة. ما غفل عنه الإنسان في وقت يمكن أن يستدركه في وقت آخر، ما دام باب الفرصة مفتوحًا. وهنا يلتقي الخطاب القرآني مع حكمة الإمام علي في معنى واحد، الزمن يُمنح للإنسان، لكنه لا يُضمن له. ولعل هذا ما يجعل علاقتنا بالزمن علاقة أخلاقية ووجودية في آن واحد. فالسؤال ليس ماذا فعل الزمن بنا فقط، بل ماذا فعلنا نحن بما منحه لنا الزمن؟ قد يعيش الإنسان عمرًا طويلًا من غير أن يتحول، وقد تأتي لحظة واحدة تعيد ترتيب رؤيته إلى الحياة كلها. لحظة معرفة، أو محبة، أو فقد، أو صحوة داخلية، قد تكون أثقل في ميزان الروح من سنوات طويلة مرت بلا أثر. ومن هنا أرى أن للزمن وجهين، زمنًا خارجيًا تقيسه الساعة، وزمنًا داخليًا تقيسه الروح. فالساعة لا تعرف الفرق بين دقيقة خوف ودقيقة طمأنينة، ولا بين ساعة انتظار وساعة لقاء. أما الإنسان فيعرف أن الزمن النفسي والروحي لا يخضع دائمًا لحساب الأرقام. وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر أهمية من سؤال العمر، ماذا صنعت بنا السنوات التي مرت؟ هل جعلتنا أكثر معرفة؟ هل أصبحنا أكثر رحمة؟ هل خففت التجارب من غرورنا؟ هل تحولت أخطاؤنا إلى حكمة؟ هل أصبح القلب أكثر صفاء، أم أن السنوات مرت وتركتنا في المكان نفسه؟ في رؤيتي، ليست مأساة الإنسان في أن الزمن يمضي، فهذه طبيعة الوجود الذي نعيش فيه، وإنما المأساة أن يمضي الزمن ولا يمضي الإنسان نحو معنى أعمق. أن تكبر سنواته ولا يكبر وعيه، أن تتعدد تجاربه ولا تتحول إلى بصيرة، أن يتغير وجهه ولا يتغير قلبه. ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الزمن، بل مع الغفلة والفراغ والتأجيل، ومع ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يعتقد أن الفرصة ستظل مفتوحة دائمًا.

نحن لا نستطيع أن نوقف الزمن، لكننا نستطيع أن نقرر ماذا يصنع مروره في داخلنا. يمكن للزمن أن يمر على قلب فيزيده قسوة، ويمكن أن يمر على قلب آخر فيزيده صفاء. ويمكن للتجربة أن تتحول إلى شكوى مستمرة، كما يمكن أن تتحول إلى معرفة تضيء الطريق. والأثر هنا هو أحد أجمل الأجوبة التي يقدمها الإنسان في مواجهة محدودية الزمن. فالإنسان لا يستطيع أن يمنع جسده من الرحيل، لكنه يستطيع أن يترك كلمة صادقة، أو معرفة نافعة، أو موقفًا عادلًا، أو محبة أعانت إنسانًا آخر على النهوض. وهكذا يبقى بعض الناس بعد رحيلهم، لا بأجسادهم، بل بما تركوه في أرواح الآخرين. لقد غادروا زمن الجسد، لكن أثرهم بقي يتحرك في زمن من جاء بعدهم. ومن هنا أرى أن الزمن ليس ميزانًا لما فقدناه فقط، بل ميزان لما تحولنا إليه. وليس السؤال الأهم، كم أخذ الزمن منا؟ بل ماذا صنعنا بما وضعه بين أيدينا؟ فالزمن شاهد على الإنسان، يشهد على من ملأ أيامه بالمعنى، كما يشهد على من تركها تمضي في الغفلة. ولعل السؤال الذي يستحق أن نقف أمامه ليس، كم بقي لنا من العمر؟ فهذا مما لا نعلمه، وإنما، ماذا أصبحنا بعد كل ما مر بنا؟ لأن القيمة الحقيقية للزمن ليست في أنه مر، بل في أننا لم نعد بعد مروره كما كنا قبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *