تفكيك شبكات الفساد… الاختبار الأصعب لحكومة الزيدي

شبكات الفساد والاختبار الأصعب لحكومة الزيدي
قراءة في معركة حكومة الزيدي ضد شبكات الفساد في العراق، من ملفات النفط والعقود وتهريب العملة إلى دور القضاء والرقابة الوقائية واستعادة الدولة من الدولة الموازية..

الفساد في العراق لم يعد جرائم منفردة

لم يعد الفساد في العراق مجرد جرائم رشوة أو اختلاس أو استغلال نفوذ. فقد تطور خلال العقدين الماضيين إلى منظومة موازية للدولة.

هذه المنظومة تمتلك اقتصادها الخاص، وشبكاتها المالية، وأذرعها الإدارية، وحصاناتها السياسية والإعلامية. ولذلك، أصبحت في كثير من الأحيان قادرة على التأثير في القرار الحكومي نفسه.

ومن هنا، لا تمثل التحركات الحكومية الحالية ضد بعض كبار المتهمين بالفساد مجرد حملة اعتقالات. بل تبدو بداية مواجهة مع دولة ظل تشكلت داخل مؤسسات الدولة الرسمية.

لقد أثارت التطورات الأخيرة سؤالاً استراتيجياً يتجاوز أسماء المتهمين. فقد كشفت هذه التطورات ملفات كبيرة في قطاع النفط. كما أعادت فتح ملفات العقود والاستثمارات، وفتحت الحديث عن استرداد أموال وعقارات.

والسؤال الأهم هنا هو: هل دخل العراق فعلاً مرحلة تفكيك شبكات الفساد؟ أم أنه ما زال يلاحق أفراداً داخل منظومة قائمة؟

الفساد ليس أفراداً بل منظومة حكم

كشفت الأحداث الأخيرة حقيقة خطيرة. فالمشكلة لا تكمن في موظف مرتشٍ، أو مدير عام، أو وكيل وزارة فقط.

بل تكمن في وجود منظومة متكاملة تنتج الفساد بصورة مستمرة. وتتكون هذه المنظومة من حلقات مترابطة.

هناك مسؤول إداري يوقع العقد. وهناك شركة واجهة تنفذ الصفقة. وهناك مصرف يغطي حركة الأموال. كما توجد شبكة مالية لتهريب العملة. ثم يأتي الغطاء السياسي ليمنع المحاسبة.

إضافة إلى ذلك، تعمل ماكينة إعلامية على تشويه أي جهة تقترب من الملف. كما يستخدم الفاسدون نفوذاً داخل بعض مفاصل الدولة لتعطيل إجراءات الرقابة والتحقيق.

لذلك، لا يعني اعتقال شخص واحد، مهما كان موقعه، انهيار الشبكة التي صنعته. فالشبكة قد تبقى قادرة على إعادة إنتاج نفسها، إذا بقيت أدواتها وممراتها كما هي.

لماذا تبدو معركة الزيدي مختلفة؟

لا يكمن الاختلاف في عدد أوامر القبض فقط. بل يظهر في طبيعة الأدوات التي بدأت الحكومة تستخدمها.

فبدلاً من انتظار وقوع الجريمة ثم ملاحقة مرتكبيها، بدأ الحديث عن مراجعة العقود السابقة. كما بدأت الحكومة تتجه إلى إيقاف بعض المشاريع المشوبة بالشبهات.

إضافة إلى ذلك، ظهر توجه نحو إعادة تدقيق كلف المشاريع، ومراقبة العقود قبل تنفيذها، وإنشاء آليات عليا للتنسيق بين الأجهزة الرقابية.

وهذا التحول مهم. فهو ينقل الدولة من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الوقائية. كما يقترب من استراتيجية تعرف عالمياً بتجفيف منابع الفساد، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة نتائجه.

وبالتالي، تصبح المعركة أعمق من اعتقال متهمين. إنها محاولة لضرب البيئة التي صنعت المتهمين، وفتحت لهم طريق النفوذ والمال والحماية.

الدولة في مواجهة اللادولة

لعل الوصف الأدق لما يجري اليوم هو أن الدولة الرسمية لا تواجه أفراداً فقط. بل تواجه دولة موازية.

هذه الدولة تملك موارد مالية هائلة. كما تمتلك قدرة على شراء الولاءات، ونفوذاً داخل المؤسسات، وأدوات ضغط سياسية.

ولديها أيضاً امتدادات اقتصادية واستثمارية، وعلاقات خارجية، وقدرة على تعبئة الرأي العام عندما تشعر بالخطر.

ولهذا، لا يمكن أن تحسم الحكومة المواجهة بقرار إداري أو حملة إعلامية. بل تحتاج إلى مشروع دولة كامل.

فالدولة الموازية لا تسقط بسهولة. كما أنها لا تواجه الإصلاح بطريقة مباشرة دائماً. بل تستخدم شبكاتها، وأموالها، وعلاقاتها، وقدرتها على التشويش والضغط.

أين يكمن الفساد الحقيقي؟

يرى كثير من الخبراء أن أخطر بؤر الفساد لا تتمثل في الرشاوى الصغيرة. بل تكمن في الملفات الكبرى التي ابتلعت مئات المليارات.

ومن هذه الملفات: تضخم كلف المشاريع، والعقود الحكومية المعدلة بعد الإحالة، والاستثمارات التي مُنحت بشروط غير عادلة.

كما تشمل الملفات الخطيرة تهريب العملة، واستغلال الأراضي والعقارات العامة، وتهريب الموارد الطبيعية، والمنافذ الحدودية، والعقود النفطية.

هذه الملفات صنعت الثروات العملاقة. ولذلك، يجب أن تشكل مركز الجهد الحكومي.

فإذا أرادت الحكومة أن تستهدف البنية الحقيقية للفساد، فعليها أن تذهب إلى هذه الملفات. أما إذا اكتفت بمظاهر الفساد، فستبقى الشبكات العميقة قادرة على النجاة.

الخطر الحقيقي هو مقاومة الإصلاح

لا يتمثل الخطر الحقيقي في الفاسدين وحدهم. بل يظهر أيضاً في مقاومة الإصلاح.

فكلما اقتربت الحكومة من مراكز النفوذ، ازدادت أدوات المقاومة. ومن غير المستبعد أن تظهر محاولات لإعادة توصيف المواجهة.

قد يصفها البعض بأنها استهداف سياسي. وقد يقدمها آخرون بوصفها تصفية حسابات. وربما يحاول طرف ثالث تصويرها كاستهداف لمكون اجتماعي أو صراع انتخابي.

وهنا يكمن الامتحان الأصعب. فشبكات الفساد لا تدافع عن نفسها بالوسائل القانونية فقط. بل تستخدم المال، والإعلام، والعلاقات، والنفوذ، لإرباك أي مشروع إصلاحي.

لذلك، تحتاج الحكومة إلى وضوح سياسي وقانوني. كما تحتاج إلى خطاب عام يشرح للناس أن المعركة تستهدف الفساد، لا المكونات، ولا الخصوم الانتخابيين.

القضاء هو الضلع الحاسم

لا تستطيع أي معركة ضد الفساد أن تنجح دون قضاء مستقل وقوي.

تستطيع الأجهزة التنفيذية جمع الأدلة. كما تستطيع الأجهزة الرقابية كشف المخالفات. لكن القضاء وحده يحول هذه الجهود إلى أحكام.

ومن خلال الأحكام، تستعيد الدولة المال العام. كما تردع الفاسدين، وتمنع تحويل ملفات الفساد إلى مجرد مواد إعلامية أو حملات مؤقتة.

ولهذا، يمثل التنسيق بين الحكومة التنفيذية، والسلطة القضائية، وهيئة النزاهة، الركيزة الأساسية لاستمرار هذا المسار.

ومن دون هذا التنسيق، قد تضيع الملفات بين التحقيق، والإعلام، والتسويف، والضغط السياسي.

المعركة اقتصادية قبل أن تكون قانونية

لا يقتصر استرداد الأموال على إعادة ما سُرق. بل ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تمويل المشاريع.

كما يساعد استرداد الأموال على تقليل الحاجة إلى الاقتراض، ودعم الموازنة، وتعزيز ثقة المستثمرين.

إضافة إلى ذلك، يمكن لمكافحة الفساد أن تحسن التصنيف المالي للعراق. كما تستطيع أن تقلص الاقتصاد الموازي، وتعيد جزءاً من الدورة المالية إلى سلطة الدولة.

وبمعنى آخر، أصبحت مكافحة الفساد سياسة اقتصادية، بقدر ما هي سياسة قانونية.

فالفساد لا يسرق المال فقط. بل يسرق فرص التنمية، ويطرد الاستثمار، ويضعف الخدمات، ويدفع المواطن ثمن الفشل مرتين.

الطريق ما يزال في بدايته

لن يقاس النجاح الحقيقي بعدد المعتقلين. ولن يقاس فقط بحجم الأموال المضبوطة.

بل سيقاس بالإجابة عن سؤال واحد: هل ستتغير البيئة التي أنتجت الفساد؟

إذا بقيت القوانين نفسها، وآليات التعيين نفسها، وثغرات العقود نفسها، فإن الشبكات ستعيد إنتاج نفسها بأسماء جديدة.

أما إذا نجحت الحكومة في بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الشفافية، وإغلاق منافذ الفساد، وتفعيل الرقابة الوقائية، وترسيخ سيادة القانون، فإن العراق سيكون أمام نقطة تحول تاريخية في بناء الدولة.

ولذلك، تبدو هذه المعركة طويلة. لكنها ضرورية. كما أنها تحتاج إلى صبر سياسي، وإدارة دقيقة، وحماية قانونية، ودعم شعبي واسع.

الاختبار الأصعب لحكومة الزيدي

لا تواجه حكومة علي الزيدي مجرد ملفات فساد. بل تواجه إرثاً عمره أكثر من عقدين.

خلال هذه السنوات، تشكلت منظومات مالية وإدارية وسياسية معقدة. ومع الوقت، أصبحت هذه المنظومات جزءاً من بنية الدولة نفسها.

ولهذا، لا تمثل معركة تفكيك شبكات الفساد حملة أمنية مؤقتة. بل تمثل مشروعاً وطنياً طويل الأمد.

ويحتاج هذا المشروع إلى إرادة سياسية ثابتة، وقضاء مستقل، ورقابة محترفة، ودعم شعبي واسع.

فإذا نجح هذا المشروع، فلن يكون الإنجاز الحقيقي اعتقال عدد من الفاسدين. بل سيكون الإنجاز استعادة الدولة من قبضة الدولة الموازية.

وهذه المعركة قد تكون الأصعب منذ عام 2003. لكنها قد تكون أيضاً الأكثر حسماً في رسم مستقبل العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *