كربلاء العصر وامتداد صراع الحق والباطل
ليس التاريخ مجرد صفحات مطوية في سجلات الزمن. بل هو نهر متدفق من المواقف والعبر، تتغير فيه الوجوه والأسماء، وتظل المبادئ ثابتة لا تتغير. ومن هذا المنطلق، لم تكن معركة الطف في كربلاء عام 61 للهجرة حدثاً جغرافياً أو تاريخياً عابراً، بل كانت إعلاناً دستورياً أبدياً لصراع الحق والباطل.
إن الحقيقة الفلسفية والروحية التي تصدح بها الضمائر الحرة عبر العصور تختصرها المقولة الخالدة: «كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء». فهذه المعادلة تؤكد أن في كل زمان ومكان هناك «حسين» يمثل مظلومية الحق وثورته، وهناك «يزيد» يمثل غطرسة الباطل وظلمه. ومن هنا، تظهر كربلاء العصر بوصفها امتداداً حياً لذلك الصراع، لا مجرد ذكرى من الماضي.
الامتداد الروحي من ثورة الحسين إلى قيادة العصر
حين وقف الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في عرصة كربلاء رافعاً شعار «هيهات منا الذلة»، لم يكن يدافع عن مكسب سياسي مؤقت. بل كان يضع خطاً فاصلاً بين الكرامة الإنسانية والعبودية للطغاة، وبين الحق الذي لا يساوم والباطل الذي يطلب الخضوع.
واليوم، يتجسد هذا الامتداد الروحي والسياسي في معركة الصمود الاستراتيجي التي يخوضها محور المقاومة. ففي هذا العصر المليء بالتحديات والتحولات الكبرى، يرى الملايين في شخص مرشد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي امتداداً للمدرسة الحسينية.
فهو يقف في طليعة المواجهة، حاملاً لواء الرفض للهيمنة الغربية، وموجهاً بوصلة الصراع نحو القضية المركزية للأمة. ومن هنا، يتجلى السيد الخامنئي قائداً يجسد النهج الحسيني في مقارعة «يزيد هذا العصر»، وداعماً لكل مظلوم من دون مهادنة أو تراجع.
ساحات الطف المتعددة وجغرافيا المقاومة
لم تعد كربلاء اليوم محصورة في بقعة واحدة. بل امتدت لتصبح جبهة عالمية تتوزع فيها الأدوار والبطولات بروح حسينية مخلصة. ولذلك، لا يمكن قراءة كربلاء العصر من دون النظر إلى الجغرافيا الواسعة التي تتحرك فيها جبهات المقاومة.
فطهران تمثل العاصمة الاستراتيجية التي انطلقت منها شرارة الرفض، ومصدر الدعم والقرار، والعمق الاستراتيجي الذي يستند إليه كل مستضعف في هذا العالم. ومن خلالها، اكتسبت معادلة المقاومة بعداً إقليمياً يتجاوز حدود الدولة إلى فضاء الأمة وقضاياها الكبرى.
أما غزة الصابرة المحاصرة، فهي تعيش تفاصيل كربلاء يومياً. فيها يُقتل الأطفال، ويُمنع الماء والغذاء، ومع ذلك تأبى المساومة على أرضها وكرامتها، متمثلة ثبات الحسين وأصحابه في مواجهة الحصار والقتل والتجويع.
جنوب لبنان واليمن والعراق في معادلة الطف
يمثل جنوب لبنان ساحة التضحية والفداء، حيث السواعد الحسينية التي سحقت أسطورة الجيش الذي لا يقهر. كما يقف هذا الجنوب كالطود الشامخ في وجه الأطماع الصهيونية، مستلهماً بأس العباس بن علي في الدفاع عن الحق.
وفي اليمن، أثبت أنصار الله بمددهم وبأسهم الشديد أن نصرة الحق لا تعترف بالمسافات. فقد دكّوا حصون الباطل بصلابة وإيمان يماني لا يلين، وذكّروا بوفاء أهل الحق في نصرة إمامهم.
أما الحشد الشعبي العراقي، فهو يمثل الأبناء البررة لأرض كربلاء والنجف. فقد هبوا بفتوى الجهاد الكفائي لحماية الأرض والعرض، وما زالوا يشكلون السد المنيع والذراع الضاربة في وجه كل مشروع استعماري يستهدف تمزيق الأمة.
يزيد العصر وتحالف الطغيان والخذلان
على الجبهة المقابلة، تتجلى بوضوح ملامح المنهج اليزيدي المعاصر، المتمثل في الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني إسرائيل وأعوانهم. فما يمارسه هذا التحالف من طغيان وقتل للأبرياء وحصار للشعوب، ليس سوى استنساخ دقيق لمنطق القهر والتعسف الذي قاده يزيد بن معاوية وجيشه في كربلاء.
ففي كربلاء حُوصر الحق، وقُتلت الكلمات الحرة، واليوم تتكرر الصورة بأدوات حديثة وتحالفات أوسع. ولذلك، لا يقتصر المشهد اليزيدي المعاصر على الطغاة المباشرين، بل يمتد ليشمل «أعوان يزيد» في المنطقة.
وتحديداً، تظهر تلك الأنظمة الخليجية الداعمة لهم، سواء عبر التطبيع المباشر، أو التمويل الخفي، أو الصمت المتواطئ الذي يمنح الاحتلال غطاءً للاستمرار في جرائمه. فهؤلاء يمثلون مواقف الخذلان والتخاذل التي شهدها عصر الحسين، حين ضحوا بكرامة الأمة ومقدساتها من أجل الحفاظ على عروشهم ومصالحهم الضيقة.
المواجهة الكبرى وطفّ متجدد بنيران حديثة
إن المواجهة الدائرة اليوم بين طهران وحلفائها من جهة، وبين إسرائيل وأمريكا وأعوانهما من جهة أخرى، ليست مجرد صراع إقليمي على نفوذ سياسي أو ثروات طبيعية. بل هي معركة وجودية بين منظومتين: منظومة تأبى الخضوع وتستمد قوتها من عبق شهادة كربلاء، ومنظومة استعلائية تعتمد على السلاح والمال والبطش، مدعومة بالإسناد الغربي والتواطؤ العربي.
وحين تتكامل جبهات غزة وجنوب لبنان واليمن والعراق بدعم وإسناد من طهران، يتذكر العالم كيف وقف الحسين متمسكاً بالحق ومحاطاً بقلة مؤمنة. فهذه ليست معادلة عدد فقط، بل معادلة إيمان وثبات وإرادة.
إنها كربلاء تتجدد في العصر الحديث. حيث يقف السيد الخامنئي ثابتاً في مواجهة الحصار والتهديدات، متمسكاً بالعهد، وموجهاً رسالة واضحة إلى العالم كله.
كربلاء العصر ورسالة النصر
تقول هذه الرسالة إن النصر في النهاية هو حليف الدم الذي ينتصر على السيف. كما تؤكد أن الطغيان اليزيدي، مهما امتلك من تكنولوجيا الفتك وأعوان السوء، فإن مصيره الزوال والانكسار أمام الإرادة الحسينية الصلبة.
ومن هنا، تتجلى كربلاء العصر في الساحات المقاومة المشتركة، من غزة إلى جنوب لبنان، ومن اليمن إلى العراق، ومن طهران إلى كل جبهة ترفض الخضوع. فالمعركة ليست معركة جغرافيا فقط، بل معركة معنى وكرامة وموقف.
وبذلك، يبقى صراع الحق والباطل ممتداً من الطف إلى جبهات المقاومة، وتتبدل الوجوه والأدوات، لكن المبدأ يبقى واحداً: أن الحق لا يقاس بعدد أصحابه، وأن الباطل لا يكتسب شرعية مهما امتلك من قوة، وأن كربلاء ستظل حاضرة كلما وقف مظلوم في وجه ظالم، وكلما اختار إنسان الحرية على الذل.


