ثلاثية النفط والتنمية والديمقراطية في العراق
تقوم معادلة العراق الحديثة على ثلاثية معقدة: النفط، والتنمية، والديمقراطية. وفي الجهة المقابلة، يقف الفساد والإرهاب بوصفهما عاملين هددا الدولة والمجتمع.
لقد تمكن العراق من السيطرة على الإرهاب إلى حد كبير. غير أن رافداً آخر ما زال يهدد بلاد الرافدين، وهو الفساد. ولا يواجه القضاء عليه صعوبات بسيطة، بل يصطدم بجملة من التحديات العميقة.
فمنشأ هذا الفساد يرتبط بالنظام السياسي نفسه. كما يحتمي، في جوانب واسعة منه، بالطبقة السياسية الحاكمة التي تسيطر على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهذا واقع لا ينكره أحد. ولذلك، تبدو التحديات والحلول صعبة أمام هذا المشهد المعقد.
النفط والتنمية والاستقرار السياسي
تبرز العلاقة بين الموارد الاقتصادية والمالية التي ينتجها القطاع النفطي، وبين تنمية الاقتصاد الوطني، بشكل مباشر وواضح.
كما يساعد النظام السياسي المستقر والديمقراطي على دعم هذا النمو. فهو يوفر بيئة سياسية ملائمة، ويعزز الشفافية والحوكمة، ويحارب الفساد الإداري والمالي.
ومن هنا، يمكن للديمقراطية أن تؤثر إيجاباً في التنمية، إذا وجدت مؤسسات حكومية ديمقراطية، وحقوق سياسية مضمونة، وحريات مدنية حقيقية. فهذه العناصر تمنح المجتمع فرصاً أفضل لتحقيق نمو مستدام وعادل.
لكن هذه العلاقة لا تعمل تلقائياً. فالنفط قد يتحول إلى فرصة للتنمية، وقد يتحول أيضاً إلى مصدر للفساد والصراع. والفرق بين المسارين تصنعه طبيعة الدولة، وقوة المؤسسات، ومستوى الحوكمة.
الدولة ومسؤوليتها الاجتماعية
تنظر التجارب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الدولية عادة إلى التخلف بوصفه نتيجة لغياب نظام سياسي يدعم التوجهات والأفكار الاقتصادية التنموية.
فالمسؤولية الاجتماعية للدولة، على اختلاف هويتها وثقافتها وطبيعتها الفكرية، تتمثل في التخطيط للمشروعات التنموية الأساسية. كما تتمثل في توفير الخدمات لجميع أفراد المجتمع.
إضافة إلى ذلك، يجب أن تمنع الدولة الاحتكار والفساد والاستغلال من قبل القطاع الخاص. وعليها أيضاً أن توفر الاستقرار والأمن، وأن تضمن سلامة الملكية الخاصة والعامة من أي تهديد.
وبالتالي، لا تستطيع التنمية أن تنجح في ظل دولة ضعيفة. كما لا يستطيع القطاع الخاص أن يؤدي دوره داخل بيئة بلا قانون، وبلا حماية، وبلا مؤسسات قادرة على ضبط السوق.
الديمقراطية بين الشك والحاجة
دفعت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي بدأت تعصف بالبلاد إلى طرح سؤال حساس: هل الديمقراطية صالحة للعراق؟ أم أن النظام السياسي الديكتاتوري أصلح له في ظل وجود المكونات، وفوضى السلاح، واتساع الحريات؟
وبسبب هذه الأزمات، دخلت النخبة، ومعها طيف واسع من الشعب العراقي، في حالة تشكيك بقدرة الدولة على ضبط الأوضاع الأمنية. كما بدأ كثيرون يشككون بفرص تحقيق الاستقرار والازدهار والتنمية المستدامة.
غير أن العودة إلى الديكتاتورية لا تقدم حلاً حقيقياً. فالديكتاتورية في العراق ضيعت، هي الأخرى، فرصة كبيرة لتحقيق حلم التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي.
لقد دخل العراق، في ظل الحكم الديكتاتوري، في حروب عبثية ومغامرات خطيرة. وضيعت تلك الحروب سنوات طويلة من فرص النجاح، والنمو، والتطور الاقتصادي.
لذلك، لا تكمن المشكلة في الديمقراطية بوصفها مبدأ. بل تكمن في ضعف بناء الدولة، وسوء إدارة التعدد، وفشل المؤسسات، وانتشار الفساد والسلاح خارج القانون.
القطاع الخاص والتنمية الشاملة
يدور الحديث اليوم حول تبني أفكار تدعو إلى إفساح المجال أمام القطاع الخاص. ويهدف هذا التوجه إلى إدخال القطاع الخاص في مجالات كانت تحتكرها الدولة، سعياً لتحقيق التنمية الشاملة.
وتنطلق هذه الرؤية من أن الحرية الاقتصادية، وفسح المجال لنشاط القطاع الخاص، يمثلان شرطين ضروريين لتحقيق الكفاءة في إدارة الموارد.
ولا ندعي أن القطاع الخاص في العراق مثالي أو خالٍ من الفساد. لكن عندما تكون الدولة قوية، وتملك مؤسسات فاعلة، فإنها تستطيع أن تمنع الفساد والاحتكار والابتزاز والرشوة.
وعندها فقط، يمكن أن يظهر قطاع خاص مساهم وفاعل في التنمية الاقتصادية الشاملة. أما إذا بقيت الدولة ضعيفة، فإن القطاع الخاص قد يتحول إلى شريك في الفساد، لا إلى شريك في التنمية.
الديمقراطية وحقوق الإنسان كشرط للتقدم
أمام هذا التحول، باتت الديمقراطية وحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أركاناً أساسية لتحقيق التقدم الاقتصادي.
لكن هذا التقدم يحتاج إلى ظروف مناسبة. كما يحتاج إلى بنية تحتية متطورة من القوانين والتشريعات، تنسجم مع توجهات الحكومة الحالية والمستقبلية.
ولا يمكن تحقيق هذا التحول عبر مجموعة واسعة من القوانين والتشريعات القديمة لمجلس قيادة الثورة المنحل، التي ما زالت نافذة ويعمل بها في مؤسسات الدولة المختلفة.
لذلك، ينبغي أن تؤسس القوانين والتشريعات الجديدة لتغيير اقتصادي حقيقي. ويجب أن يحمي هذا التغيير الحريات الاقتصادية، ومنها حق الملكية، وحق تراكم رأس المال، وحرية الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يخدم هذا التغيير مصالح المواطنين والطبقات الاجتماعية. كما يجب أن يضمن لهم حقوقهم المشروعة، وحريات اجتماعية واقتصادية متكافئة، من خلال تدخل الدولة لتنظيم السوق.
ضعف الدولة ونمو الفساد بعد 2003
ساهم ضعف الدولة والحكومات بعد عام 2003 في تنمية الفساد. ولعل هذا الفساد تحول إلى مشروع، ساهمت فيه الولايات المتحدة الأمريكية، أو سمحت به، ولا سيما عندما غضت الطرف عن سرقة مؤسسات الدولة العراقية في ظل احتلال شامل للبلاد.
وكان الأولى بها أن تحمي هذه المؤسسات وتمنع سرقتها. لكن يبدو أن هناك غاية من هذا الفعل الذي أسس للفساد، أو ساعد على ترسيخه.
فالعراق بلد غني بالنفط، والغاز الطبيعي، والكبريت، والفوسفات، والسيليكون. وكل ذلك يمكن أن يحقق إيرادات كبيرة للدولة.
لكن حجم الفساد كبير جداً. واليوم نسمع عن بعض المشاريع التي تبلغ كلفتها 323 مليار دينار، ثم تتحول كلفتها إلى تريليون ومئة مليار دينار.
وهذا نموذج واحد عن حجم الفساد في المشاريع. أما إحصاء هذه النماذج، فيحتاج إلى مجلدات كبيرة. والمستقبل كفيل بنشر كل من سرق هذا البلد.
مسؤولية الزيدي التاريخية
اليوم تقف أمام دولة رئيس مجلس الوزراء، الأخ الزيدي، مسؤولية تاريخية كبيرة. وتتمثل هذه المسؤولية في التخلص من مأسسة المحاباة والمجاملات الحزبية، ومنع إضعاف الرقابة.
وعلى الحكومة أن تنهض بمسؤوليتها الوطنية التنموية. ويشمل ذلك تعزيز الشفافية، والنزاهة، والديمقراطية، والحكم الرشيد الصالح، ومحاربة الفساد.
كما يشمل وضع السياسات، وإيجاد التمويل اللازم لدفع عملية التنمية الاقتصادية. إضافة إلى ذلك، يجب إشراك القطاع الخاص في تمويل وتنفيذ المشاريع التنموية.
فهذه المسؤولية لا تتعلق بإدارة يومية للدولة فقط. بل تتعلق بمستقبل الاقتصاد، وبإعادة بناء علاقة المواطن بالدولة، وبإخراج العراق من دائرة النفط والفساد إلى دائرة الإنتاج والتنمية.
تنويع الاقتصاد ليس سهلاً لكنه ضروري
قد يكون من الصعب، في الوقت الراهن، تنويع الاقتصاد وتخفيض اعتماد العراق على النفط في المستقبل القريب.
غير أن صعوبة المهمة لا تعني تأجيلها. بل ينبغي العمل على هذا النهج، كي يصبح أحد المبادئ الأساسية في التوجه الاقتصادي المستقبلي.
فكل تأخير في تنويع الاقتصاد يزيد هشاشة الدولة. كما يزيد اعتمادها على أسعار النفط، ويجعل التنمية رهينة السوق العالمية، لا رهينة التخطيط الوطني.
لذلك، يجب أن يبدأ العراق بخطوات تدريجية، لكنها ثابتة. ويجب أن تشمل هذه الخطوات الزراعة، والصناعة، والخدمات، والطاقة، والبنى التحتية، والقطاع الخاص المنتج.
الدولة والاقتصاد والحكم الصالح
سيبقى دور الدولة مهماً في الاقتصاد العراقي، بسبب ملكيتها لقطاع النفط. لكن هذا الدور يجب أن يختلف عن الدور السابق الذي قامت به الدولة.
فالمطلوب اليوم ليس دولة ريعية توزع الموارد فقط. بل دولة رشيدة تخطط، وتنظم، وتراقب، وتحمي السوق، وتدعم الإنتاج، وتمنع الاحتكار والفساد.
ويجب أن يتحرك هذا الدور ضمن أنموذج الإدارة الوطنية الرشيدة، أو الحكم الصالح. كما يجب أن يتجه نحو تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وبهذا المعنى، لا يمكن فصل النفط عن التنمية، ولا التنمية عن الديمقراطية، ولا الديمقراطية عن مكافحة الفساد. فهذه الملفات تشكل معركة واحدة، عنوانها بناء دولة عراقية قادرة على تحويل الثروة إلى تنمية، والديمقراطية إلى استقرار، والقانون إلى حماية للمجتمع والاقتصاد.


