الدولار عاد لكن الثقة لم تعد: كيف فضحت القائمة الرمادية وقرار الفيدرالي حقيقة الإصلاح المالي في العراق؟

الدولار في العراق عاد لكن الثقة المالية لم تعد
قراءة قانونية واقتصادية في عودة شحنات الدولار إلى العراق، واستمرار القائمة الرمادية، ومسؤولية البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال عن استعادة الثقة المالية...

قراءة قانونية في مسؤولية البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال

لم يكن قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ووزارة الخزانة الأمريكية باستئناف إرسال شحنات الدولار النقدي إلى العراق مجرد إجراء مصرفي لتنظيم تدفق النقد. بل حمل دلالة رقابية واضحة.

فالقرار كشف أن الثقة الدولية بالنظام المالي العراقي ما زالت ثقة مشروطة. كما كشف أن الإصلاحات التي أعلنتها الجهات الرسمية خلال السنوات الماضية لم تتحول بعد إلى نتائج كافية. ولذلك، لم تقتنع المؤسسات المالية الدولية برفع القيود بصورة كاملة.

لقد عاد الدولار، لكن الثقة لم تعد كما ينبغي.

عودة مشروطة لا عودة طبيعية

لم يتضمن القرار عودة طبيعية لشحنات الدولار. بل ربط استمرارها بفترة اختبار وتعهدات عراقية جديدة.

وتتعلق هذه التعهدات بمنع تهريب الدولار، وتعزيز الرقابة على التحويلات، ومنع وصول النقد إلى الجهات الخاضعة للعقوبات.

وهذا يعني أن التقييم الدولي لا يزال يرى مخاطر قائمة. لذلك، تستمر الرقابة، وتستمر الشروط، وتستمر الحاجة إلى إثبات عملي لا إلى بيانات إعلامية فقط.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: إذا كانت السلطات العراقية قد أعلنت مراراً نجاحها في مكافحة تهريب الدولار، وتطبيق معايير الامتثال الدولية، فلماذا بقي العراق تحت الاختبار؟ ولماذا لا تزال قرارات الفيدرالي الأمريكي تقوم على الحذر لا على الثقة؟

معيار النجاح: الثقة لا التعليمات

تبدأ الإجابة من حقيقة قانونية لا يجوز تجاهلها. فنجاح أي منظومة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لا يقاس بعدد التعليمات، ولا بعدد اللجان، ولا بحجم البيانات الإعلامية.

بل يقاس بنتيجة واحدة: مدى ثقة المجتمع المالي الدولي بهذه المنظومة.

ومن هذا المنطلق، يمثل استمرار العراق على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF مؤشراً واضحاً. فالمجتمع الدولي ما زال يرى نواقص استراتيجية تحتاج إلى معالجة.

كما أن خطة العمل المقررة لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح بإنهاء المتابعة المشددة. ولا يعني ذلك غياب التقدم بالضرورة. لكنه يعني أن النتائج المتحققة لم تكفِ لإزالة أسباب القلق بصورة كاملة.

مسؤولية المنظومة الوطنية

يفرض هذا الواقع مراجعة أداء المنظومة الوطنية بأكملها. ويأتي في مقدمتها البنك المركزي العراقي، بوصفه الجهة المسؤولة عن سلامة النظام المصرفي والسياسة النقدية.

كما يأتي مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في موقع مركزي. فهو وحدة المعلومات المالية المنشأة بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 39 لسنة 2015.

وقد كلفه القانون بتحليل المعلومات المالية، ورصد الأنشطة المشبوهة، والتنسيق مع الجهات الوطنية والدولية.

لذلك، لا يكفي من منظور الحوكمة الرشيدة أن تشير المؤسسات إلى كثرة الإجراءات أو التعليمات. فالمعيار الحقيقي يتمثل في المخرجات.هل تعززت الثقة الدولية؟هل رُفعت القيود؟هل خرج العراق من القائمة الرمادية؟وهل انتهت الحاجة إلى اشتراطات خارجية لإعادة شحنات الدولار؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ما زالت تكشف تحديات واضحة.

فجوة السعر تعكس فجوة الثقة

ما زالت الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعر السوق الموازية قائمة. كما تخضع بعض التعاملات المالية العراقية لتدقيق استثنائي.

وتعكس هذه المؤشرات أن الإصلاحات لم تحقق بعد جميع أهدافها العملية. وبالتالي، ما زال الطريق طويلاً لبناء منظومة مالية تحظى بثقة كاملة.

ومن الناحية الاقتصادية، لا تعالج إعادة شحنات الدولار وحدها اختلالات سوق الصرف. فالمشكلة لا تكمن في حجم النقد الوارد فقط.

بل تكمن أيضاً في بنية الاقتصاد، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف الإنتاج المحلي، واستمرار الطلب المرتفع على الدولار لأغراض التجارة والتحويل والادخار.

المواطن هو المتضرر الأول

تحمل المواطن العراقي العبء الأكبر من هذه التداعيات. فقد دفع ثمن ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع القوة الشرائية للدينار.

وفي المقابل، ظل ينتظر إصلاحاً يلمسه في حياته اليومية، لا إصلاحاً يظهر في المؤشرات الإدارية وحدها.

ومن هنا، لا يمكن فصل ملف الدولار عن معيشة الناس. فكل خلل في الثقة المالية ينتقل سريعاً إلى السوق، ثم إلى الأسعار، ثم إلى قدرة المواطن على شراء احتياجاته الأساسية.

المطلوب أكثر من إدارة أزمة

تحتاج المرحلة المقبلة إلى أكثر من إدارة يومية للأزمة. فهي تستلزم تقييماً مؤسسياً مستقلاً لأداء منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما تتطلب قياس نتائج هذه المنظومة بمؤشرات دولية واضحة، واستكمال متطلبات خرطة عمل FATF، وتعزيز التعاون بين البنك المركزي، ووحدة المعلومات المالية، والسلطات القضائية والرقابية.

ولا يمكن الوصول إلى استعادة الثقة الدولية الكاملة من دون هذا التكامل. فالثقة لا تُبنى بتصريحات منفردة، بل بمنظومة تعمل معاً، وتنتج نتائج قابلة للقياس.

القائمة الرمادية ليست تفصيلاً إجرائياً

إن استمرار العراق في القائمة الرمادية، وربط تدفق الدولار الأمريكي بشروط وفترات اختبار، لا يمثلان مجرد تفاصيل إجرائية.

بل يشكلان مؤشرين واضحين على أن الإصلاح المالي والرقابي لم يبلغ بعد غايته النهائية.

وعندما ينجح العراق في الخروج من القائمة الرمادية، وتنتهي الحاجة إلى القيود الاستثنائية، عندها فقط يمكن القول إن منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب حققت هدفها الحقيقي.

وهذا الهدف يتمثل في بناء الثقة، وحماية الاقتصاد، وصون السيادة المالية للدولة.

المناصب الحساسة ومعيار الكفاءة

إن إدارة أخطر منظومة مالية ورقابية في الدولة تستوجب أعلى معايير الكفاءة والخبرة والاستقلالية والاختيار المؤسسي.

ولا يكفي أن يتحول موظف بعقد إلى موقع يدير أخطر منظومة لمكافحة الجرائم المالية. فهذه المواقع لا تحتمل المجاملة، ولا تقبل الاختيار العشوائي، ولا يجوز أن تخضع لمنطق العلاقات أو التوازنات الإدارية.

ومن هنا يبرز السؤال الأخير: هل تخضع آليات شغل هذه المناصب لمعايير تنافسية وشفافة تضمن بناء الثقة داخلياً ودولياً؟

خلاصة المعركة

عاد الدولار إلى العراق، لكن عودة الدولار لا تعني عودة الثقة. فالثقة معايير لا تقاس بوصول الشحنات النقدية، بل بقدرة الدولة على إقناع العالم بأن نظامها المالي قادر على منع التهريب، وضبط التحويلات، ومكافحة غسل الأموال، وحماية السيادة المالية.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية لا تدور حول الدولار وحده. بل تدور حول بناء دولة مالية موثوقة، ومؤسسات كفوءة، ومناصب حساسة تخضع للمعايير، لا للمصادفة.

وعندها فقط، يمكن للعراق أن ينتقل من مرحلة الاختبار إلى مرحلة الثقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *