الاحتيال في نهب الأموال..

الاحتيال في نهب الأموال..
يكشف تكرار جرائم نهب المال العام في العراق عن فساد مؤسسي منظم يخترق النظام المالي والإداري، مستغلاً ضعف الرقابة، مما يفرض تحديث الحوكمة المالية واعتماد الرقابة الإلكترونية والاستباقية لحماية الثقة بالدولة...

لم تعد محاولات سرقة المال العام في العراق حوادث معزولة أو عمليات احتيال فردية، بل تحولت إلى ظاهرة تكشف عن وجود بنية فساد معقدة تمتلك الخبرة والقدرة على اختراق أهم المؤسسات المالية والإدارية في الدولة. فمحاولة الاستيلاء الأخيرة على تريليون ونصف التريليون دينار عراقي عبر صكوك مزورة ومستندات وديعة وهمية، تعيد إلى الأذهان مباشرة فضيحة الأمانات الضريبية، أو ما عرف إعلامياً بـ”سرقة القرن”، التي جرى فيها نهب ما يقارب 12 تريليون دينار عراقي عبر منظومة احتيال مصرفي وإداري منظمة.
الخطير في هذه القضايا ليس فقط حجم الأموال المسروقة أو المستهدفة، بل مستوى الاحتراف الذي وصلت إليه شبكات الفساد، إذ بات واضحاً أن منفذي هذه العمليات يمتلكون فهماً دقيقاً لتفاصيل النظام المصرفي وآليات إصدار الصكوك والتحويلات والإجراءات المحاسبية والرقابية، فضلاً عن معرفتهم بمواطن الضعف داخل المؤسسات الحكومية والمصرفية. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مجرد فساد إداري تقليدي، بل تحولت إلى اختراق مؤسسي منظم يستفيد من الترهل الإداري وضعف الرقابة وتواطؤ بعض الأطراف داخل المنظومة نفسها.
لقد كشفت “سرقة القرن” سابقاً أن المال العام يمكن أن يغادر الخزينة عبر أوراق رسمية وتواقيع وختم قانوني، دون أن تتحرك منظومات الإنذار والرقابة إلا بعد اختفاء المليارات. واليوم، تتكرر المؤشرات ذاتها مع محاولات جديدة تؤكد أن البيئة التي أنتجت تلك الفضيحة ما تزال قائمة، وأن الإصلاحات التي أُعلن عنها بقي معظمها حبراً على ورق.
إن تكرار هذا النوع من الجرائم المالية يشير إلى وجود اقتصاد خفي موازٍ داخل الدولة، تتحرك فيه شبكات تمتلك نفوذاً وعلاقات وخبرات تقنية وقانونية، قادرة على تحويل المؤسسات من أدوات لحماية المال العام إلى منافذ لاستنزافه. والأخطر أن هذه العمليات لا تستهدف الأموال فقط، بل تضرب ثقة المواطن بالدولة وبالنظام المالي والمصرفي بالكامل.
وفي ظل التطور المتسارع لأساليب الاحتيال المالي عالمياً، لم يعد مقبولاً أن تبقى مؤسسات الدولة تعمل بعقلية ورقية تقليدية وأنظمة رقابية متقادمة. فالعراق بحاجة إلى ثورة حقيقية في مجال الحوكمة المالية والرقابة الإلكترونية، عبر اعتماد تقنيات حديثة مثل البلوك تشين لضمان عدم التلاعب بالسجلات المالية، وتطبيق أنظمة كشف الاحتيال اللحظي التي ترصد أي حركة مالية مشبوهة فور حدوثها، مع تفعيل الاستخبارات المالية الاستباقية لملاحقة شبكات الفساد قبل تنفيذ عملياتها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس نقص الأموال، بل تحول الفساد إلى منظومة قادرة على التكيف والتطور أسرع من مؤسسات الرقابة نفسها. وعندما تصبح سرقة المليارات مجرد “محاولة” تتكرر كل فترة، فهذا يعني أن الخلل لم يعد في الأشخاص فقط، بل في البنية الإدارية والرقابية التي سمحت بتحويل المال العام إلى غنيمة مفتوحة أمام شبكات الاحتيال المنظم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *