التفاوض علم تتمازج فيه علوم الاجتماع واللغويات، وعلم النفس والإدارة، والعلوم السياسية والعلاقات الدولية. وفي عالمنا اليوم أصبح من الضروري تحقيق الحد الأدنى من التفاهم في ظل الاعتراف بوجود مصالح مشتركة يقتضي العمل على تعميق ما يمكن تعريفه بثقافة التفاوض. وفي ظل هذا التقارب بين دول العالم والثورة المعلوماتية والاتصالية، التي أحالت العالم إلى قرية صغيرة، فأصبح من الضروري بل الواجب حل كل ما قد ينشأ من صراع بين الدول والأفراد والمؤسسات بالطرق الودية، التي من أهم أشكالها عملية التفاوض، وبخاصة أن اللجوء إلى استخدام القوة لفض المنازعات أصبح يُنذر بكثير من الويلات لأطراف النزاع، وربما يمتد أثره إلى أطراف أخرى لا علاقة لها بهذا النزاع. إضافة إلى ذلك أن القانون الدولي يحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية.
وبناء على ما تقدم، اتجه كثير من المؤسسات والأكاديميين إلى محاولة وضع توصيف محدد لعملية التفاوض، تكسبها الصفة العلمية، وتوفر لها الإطار النظري الذي يضعها في مصاف العلوم الاجتماعية الأخرى. كما أن مفهوم التفاوض يتسع ويضيق حسب الزاوية التي ينظر إليه من خلالها، فقد يحصره البعض في الجهد الدبلوماسي، فتكون ممارسة عملية التفاوض حكرا على الدبلوماسيين وممثلي الدول من أجل إيجاد أو التوصل إلى اتفاق بين فريقين متحاربين. وقد يمتد مفهوم التفاوض ليكون متصلا بعملية النقاش والحوار التي تتم بين طرفين أو أكثر بينهم تعارض في وجهات النظر حول قضية محددة أو تنازع للمصالح من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي أسباب التوتر والتنازع ويحقق مصلحة الطرفين أو أطراف القضية. ولما كان من الصعب أن يخلو مجتمع من المجتمعات مهما كان صغيرا من دواعي النزاع، إذن لا يمكن لأية مجتمع حر أن يعيش بلا تفاوض، لأن التفاوض يُعد من أفضل الطرق لتحقيق الرفاهية ولحل الخلافات والنزاعات.
في السياق ذاته، إذا كان على طرفي التفاوض، استخدام ما يملكان من قوة، قد تتمثل في إمكانات مالية ومعلومات ومكانة اجتماعية وغيرها من عناصر القوة، فإن التفاوض لا يصل إلى نتيجة مرضية ومقبولة مالم يتوافر فيه عنصرا المعقولية والمرونة. وفي حالة استخدام القوة في إملاء الشروط، ووضع حلول للمشكلة بناء على ذلك، فإن الطرف الضعيف يتحين الفرص للانقضاض والانتقام، وهذا يؤدي إلى نتائج عكسية وانتكاسة في العلاقات المتوترة أساسا لوجود نزاع على قضية ما، فيتأجج بذلك الصراع، وقد يصل إلى مداه في حالة التلويح باستخدام القوة أو استخدامها فعلا، بما يهدد مصالح طرفي عملية التفاوض.
الجدير بالذكر هنالك مجموعة من الموروثات الثقافية التي تعرقل عملية التفاوض، تلك الموروثات التي تراكمت من خلال ممارسات خاطئة تمت على مدى سنوات طويلة، واكتسبت صفة الديمومة. بالتالي فإن خطورة هذه الموروثات الثقافية تحول دون سريان عملية التفاوض في مساراتها الطبيعية، خاصة في ظل عالم يموج بالصراعات والنزاعات، التي لم يبق حلها عن طريق الحرب مأمون الجانب. والواقع أن تعميق ثقافة التفاوض في المجتمع، يحتاج إلى محددات تؤطر الخصائص، التي ينبغي أن يتصف بها أي مفاوض جيد. في الوقت نفسه هناك من يرى أن التفاوض يُعد عملية اجتماعية حركية بالغة التعقيد، تتداخل فيها وتتفاعل عدة عناصر أبرزها، المعلومات، الوقت والقوة، وكذلك التكتيكات أي الأساليب المتبعة ووسائل الاتصال المستخدمة. عليه فإن المفاوضات هي استخدام المعلومات والقوة، للتأثير على السلوك. كما لا بد من الأخذ في الحسبان إمكانية تغيير أحد أطرف الاتفاق رأيه في حالة تغير ميزان القوى، مما يهدد بتوتر العلاقات مرة أخرى.
وتأسيسا لما تقدم، تتنوع انواع التفاوض تنوعا كبيرا ومن أبرز أنواع التفاوض هي، أولا، اتفاق يحقق مصالح الطرفين. ثانيا، التفاوض من أجل الكسب على حساب الطرف الآخر. ثالثا، التفاوض الاستكشافي. رابعا، التفاوض التسكيني. خامسا، تفاوض التأثير في طرف ثالث. سادسا، تفاوض الوسيط.
وطبقا لأنواع التفاوض فهنالك عددا من الأساليب أبرزها، التفاوض الدبلوماسي، والتفاوض الاقتصادي، والتفاوض التجاري، كذلك التفاوض في العلاقات الصناعية والإدارية. إضافة إلى التفاوض في الإدارة العامة والتفاوض بين الحاكمين والمحكومين.
كما تحتاج الدول إلى مفاوضات في حالتي السلم والحرب، ففي حالة السلم تسعى الدولة إلى تأكيد علاقتها مع غيرها من الدول، من أجل تحقيق مصالحها، سواء من خلال التبادل الاقتصادي والتعاون لدرء مخاطر أطراف أخرى، وإقامة علاقات ثقافية، وغيرها من أنواع العلاقات التي تضمن استمرار التعاون. أما في حالة الحرب فالتفاوض يتم لوضع حد لأسبابها، والوصول إلى صيغة مناسبة لإنهائه، تراعي مصالح الطرفين، حيث تصل عملية التفاوض إلى تصورات واضحة تشمل تفصيلات عديدة، كتوقيت وقف إطلاق النار، وترسيم الحدود، وعملية نقل رعايا البلدين وغيرها من الاتفاقات التي تكون وسيلة لحل المنازعات.
دراسة تحليلية لكتاب: التفاوض الفعال مهارات التفاوض الاحترافي للكاتبة (باربارا أندرسون)


