قبل تشييع القائد في بغداد تتقاطع مسارات روبيو وعراقجي في المنطقة

تشييع القائد في بغداد وتقاطع مسارات روبيو وعراقجي
يناقش المقال تزامن جولة وزير الخارجية الأمريكي في الخليج مع زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى العراق، ودلالة ذلك قبل تشييع القائد في بغداد، وموقع العراق في التنافس الإقليمي....

تشييع القائد في بغداد وتقاطع المسارات الدبلوماسية

تشييع القائد في بغداد، إذا ما تحقق في هذا الظرف الإقليمي الحساس، لن يكون مجرد حدث شعبي أو مراسم رمزية عابرة، بل سيأتي في لحظة تتقاطع فيها مسارات دبلوماسية متوازية بين واشنطن وطهران، وبين الخليج والعراق، وبين الحسابات الرسمية وحركة الشارع. فقبل هذا الاستحقاق الرمزي الكبير، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني ساخن، تتداخل فيها المصالح الدولية مع حسابات القوى الإقليمية.

وتشير التحركات الدبلوماسية الأخيرة، ولا سيما جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في الخليج، وزيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العراق، إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام محاولة جديدة لإعادة ترتيب موازين القوة بعد التطورات التي أعقبت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران ولبنان.

شرق أوسط يعيد تموضعه

لا تتحرك الدبلوماسية في الفراغ. فكل زيارة، وكل بيان، وكل لقاء مغلق، يعكس إدراكاً بأن المنطقة لم تعد كما كانت قبل الجولة الأخيرة من التصعيد.

لقد دخلت قضايا الأمن الإقليمي، ومضيق هرمز، ولبنان، والعراق، والتفاوض الأمريكي الإيراني، في شبكة واحدة من الحسابات. ولم يعد ممكناً فصل أي ملف عن الآخر بسهولة، لأن ما يحدث في الخليج ينعكس على العراق، وما يحدث في لبنان يؤثر في حسابات طهران وواشنطن، وما يجري داخل العراق يصبح جزءاً من قراءة أوسع لمستقبل التوازنات الإقليمية.

ومن هنا، فإن تزامن تحركات روبيو وعراقجي لا يبدو تفصيلاً بروتوكولياً، بل علامة على اشتداد التنافس السياسي حول شكل المرحلة المقبلة.

جولة روبيو ومحاولة تثبيت التوازنات التقليدية

يمكن قراءة جولة وزير الخارجية الأمريكي إلى عدد من دول الخليج بوصفها محاولة لإعادة تثبيت منظومة التوازنات التقليدية التي اعتمدتها واشنطن لعقود في المنطقة.

فالولايات المتحدة تدرك أن أي فراغ في لحظة ما بعد التصعيد قد يسمح بصعود ترتيبات أمنية جديدة لا تكون واشنطن مركزها الوحيد. كما تدرك أن الخليج لم يعد يتعامل مع الأمن الإقليمي بالطريقة القديمة نفسها، خصوصاً في ظل تصاعد أهمية الممرات البحرية، وأمن الطاقة، واستقرار الأسواق، ومخاطر الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

لذلك، تبدو زيارة روبيو محاولة لإعادة طمأنة الحلفاء، وضبط إيقاع المواقف، ومنع انتقال المنطقة نحو معادلات أمنية تمنح طهران هامشاً أوسع في صياغة الترتيبات المقبلة.

واشنطن وأمن إسرائيل

لا يمكن فصل التحرك الأمريكي عن أمن إسرائيل. فواشنطن لا تنظر إلى الخليج والعراق ولبنان وإيران كملفات منفصلة، بل كجزء من هندسة أمنية أوسع تهدف إلى منع أي تحول استراتيجي يضعف موقع إسرائيل أو يحد من قدرتها على الحركة.

ومن هذه الزاوية، فإن الحد من تنامي النفوذ الإيراني لا يرتبط فقط بالمنافسة التقليدية بين واشنطن وطهران، بل يرتبط أيضاً بمنع تكريس نتائج سياسية للمواجهة الأخيرة يمكن أن تُقرأ في المنطقة بوصفها مكسباً لمحور المقاومة.

ولهذا، فإن الخطاب الأمريكي في الخليج لا يسعى فقط إلى إدارة التهدئة،

بل إلى منع تحويل التهدئة إلى اعتراف سياسي أوسع بدور إيران الإقليمي.

بيان مجلس التعاون الخليجي

جاء البيان الصادر عن مجلس التعاون الخليجي ليعكس جانباً من هذا التوجه. فقد حمل، في نظر بعض المراقبين،

لغة تميل إلى ضبط سقف القراءة الإيرانية لنتائج المرحلة الأخيرة، والتقليل من المكاسب السياسية التي تعتقد طهران أنها حققتها، سواء على مستوى المواجهة العسكرية أو المسار التفاوضي.

هذا لا يعني أن دول الخليج تريد بالضرورة العودة إلى المواجهة المفتوحة،

بل يعني أنها تحاول الموازنة بين حاجتها إلى الاستقرار، وبين عدم ترك السردية الإيرانية تنفرد بتفسير نتائج ما بعد الحرب.

فالدبلوماسية الخليجية اليوم تتحرك بين هاجسين: منع الحرب، ومنع اختلال ميزان النفوذ.

زيارة عراقجي إلى العراق

في المقابل، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العراق محملة بدلالات متعددة.

فقد فسرها البعض بأنها مرتبطة بالتحضيرات لمراسم تشييع القائد الشهيد السيد علي الخامنئي في بغداد،

بينما يمكن النظر إليها من زاوية أوسع تتعلق بتثبيت موقع العراق داخل شبكة العلاقات الإيرانية الإقليمية.

فالعراق ليس ساحة هامشية في الحسابات الإيرانية. إنه عمق اجتماعي وديني وسياسي واقتصادي مهم،

وجسر أساسي بين إيران والمشرق العربي، وواحد من أهم ميادين التفاعل بين الدولة والمجتمع والقوى الحليفة.

لذلك، فإن حضور عراقجي في بغداد لا ينفصل عن محاولة طهران تثبيت ما تعتبره إنجازات استراتيجية في مرحلة ما بعد المواجهة، وترسيخ شبكة علاقاتها مع القوى والدول الحليفة.

وحدة الساحات وموقع العراق

من زاوية طهران، لا يمكن فصل العراق عن مفهوم وحدة الساحات.

فالعراق يمثل نقطة وصل بين إيران ولبنان وسوريا وفلسطين والخليج،

كما يمثل بيئة سياسية وشعبية قادرة على إنتاج رسائل رمزية تتجاوز حدود الدولة الوطنية.

وفي لحظة تشييع قائد بحجم السيد علي الخامنئي، يصبح العراق، في نظر مؤيدي هذا المسار،

أكثر من بلد مضيف لمراسم تشييع. إنه ساحة وفاء، وامتداد شعبي،

ورسالة سياسية تقول إن العلاقة بين العراق وإيران لا تُختصر بالعلاقات الرسمية بين الحكومات.

ولهذا، فإن أي مراسم تشييع كبرى في بغداد ستكتسب معنى يتجاوز البعد العاطفي،

لتتحول إلى مؤشر على طبيعة التوازنات الاجتماعية والسياسية في العراق نفسه.

التشييع كدبلوماسية شعبية

إذا أقيمت مراسم تشييع القائد في بغداد، فلن تكون مجرد مناسبة دينية أو بروتوكولية.

قد تتحول إلى حدث سياسي وشعبي واسع، يعزز ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الشعبية بين العراق وإيران.

فالدبلوماسية لا تُمارس دائماً عبر البيانات والوزارات والسفارات فقط.

أحياناً تمارسها الشعوب عبر الحضور، والهتاف، والمواكب، والرموز، والذاكرة المشتركة.

ومن هنا، فإن التشييع قد يمنح العلاقات العراقية الإيرانية بعداً مجتمعياً أعمق،

يتجاوز العلاقات الرسمية، ويؤسس لمرحلة جديدة من التفاعل الشعبي والسياسي بين البلدين.

العراق بين الرسمي والشعبي

تكمن خصوصية العراق في أنه لا يتحرك عبر مستوى واحد من السياسة.

فهناك الدولة الرسمية، وهناك القوى السياسية، وهناك المرجعيات الاجتماعية والدينية،

وهناك الجمهور الواسع الذي يصنع أحياناً رسائل لا تستطيع الحكومات صياغتها باللغة نفسها.

لذلك، فإن أي حدث كبير في بغداد لا يُقرأ فقط من زاوية التنظيم الأمني أو البروتوكول الرسمي،

بل من زاوية الرسالة الشعبية التي يمكن أن يبعثها.

فإذا شهدت بغداد حضوراً واسعاً في تشييع القائد،

فإن ذلك سيُقرأ إقليمياً بوصفه مؤشراً على عمق العلاقة الوجدانية والسياسية بين قطاعات عراقية واسعة وإيران.

حملة مكافحة الفساد وتوقيت الداخل

في هذا الإطار، يطرح بعض المراقبين تساؤلات بشأن توقيت حملة ملاحقة المتهمين بقضايا فساد داخل العراق،

وما إذا كانت تداعياتها الأمنية والإعلامية قد تنعكس على قدرة البلاد على استضافة حدث بهذا الحجم.

هناك من يرى أن أي توتر داخلي أو ضجة سياسية قد تُستخدم لتقديم صورة عن عدم الاستقرار،

بما قد يؤثر في ترتيبات إقامة المراسم أو في طريقة تعامل الأطراف الخارجية مع العراق.

لكن هذه القراءة تبقى في إطار التحليل السياسي،

ولا توجد أدلة معلنة تثبت وجود ارتباط مباشر بين حملة مكافحة الفساد وترتيبات التشييع.

ومع ذلك، فإن مجرد طرح السؤال يكشف حساسية المرحلة، وحجم مراقبة الداخل العراقي من قبل الأطراف الإقليمية والدولية.

العراق كساحة تنافس إقليمي

تزامن التحركات الأمريكية والإيرانية يؤكد أن العراق لا يزال يمثل إحدى أهم ساحات التنافس الإقليمي.

فهو ليس مجرد دولة تتلقى التأثيرات، بل ساحة تتقاطع فيها مشاريع متعددة،

بعضها يريد تثبيت النفوذ الأمريكي والخليجي التقليدي، وبعضها يريد تعزيز موقع إيران وحلفائها،

وبعضها يبحث عن استقلال القرار العراقي وسط هذه الضغوط.

كل تطور داخلي في العراق، من ملف الفساد إلى الترتيبات الأمنية،

ومن حركة الشارع إلى العلاقات الخارجية، يصبح موضع متابعة دقيقة لأنه قد يؤثر في توازنات أوسع.

وهذا ما يجعل السؤال عن موقع العراق ضرورياً: هل يكون العراق ساحة لتصفية التنافس، أم طرفاً قادراً على إدارة التوازن؟

أين العراق من تقاطع روبيو وعراقجي؟

السؤال الأهم هو: أين العراق من هذا كله؟

لا يستطيع العراق أن يتعامل مع هذه التحركات بوصفها أحداثاً خارجية منفصلة عنه.

فزيارة روبيو إلى الخليج، وزيارة عراقجي إلى بغداد، والتحضيرات المحتملة لتشييع القائد،

كلها تدخل في معادلة واحدة تتعلق بموقع العراق في المرحلة المقبلة.

إذا اكتفى العراق برد الفعل، فسيبقى ساحة مفتوحة للتأثيرات المتقابلة.

أما إذا امتلك رؤية واضحة، فيمكنه تحويل موقعه الجغرافي والسياسي والاجتماعي إلى عنصر قوة، لا إلى مصدر هشاشة.

فالعراق، بحكم موقعه وتاريخه وتركيبته وعلاقاته، قادر على أن يكون جسراً إقليمياً،

لكنه قد يتحول أيضاً إلى ميدان ضغط إذا غابت الرؤية الوطنية الجامعة.

معادلة التوازن الصعب

العراق اليوم يحتاج إلى توازن دقيق. لا يستطيع أن يتجاهل علاقته العميقة مع إيران،

ولا يستطيع أن ينفصل عن محيطه العربي والخليجي،

ولا يستطيع أن يتعامل مع الولايات المتحدة بوصفها طرفاً غير مؤثر في أمنه واقتصاده وعلاقاته الدولية.

المعادلة الصعبة تكمن في بناء سياسة خارجية تحفظ مصالح العراق أولاً،

وتمنع تحويله إلى مجرد مساحة اختبار بين واشنطن وطهران.

وهذا يتطلب وضوحاً في القرار، وقوة في المؤسسات،

وقدرة على إدارة الرموز الكبرى والأحداث الشعبية من دون أن تتحول إلى مصدر توتر داخلي أو خارجي.

التشييع والرسالة الإقليمية

تشييع القائد في بغداد، إذا تم، سيكون رسالة إقليمية بحد ذاته.

سيقرأه الإيرانيون بوصفه وفاءً شعبياً وسياسياً،

وستقرأه واشنطن والخليج وإسرائيل بوصفه مؤشراً على عمق الحضور الإيراني في العراق، وستقرأه القوى العراقية كلٌّ وفق موقعه وحساباته.

لذلك، فإن إدارة هذا الحدث تحتاج إلى وعي سياسي وأمني عالٍ.

فالتشييع ليس مجرد مناسبة وجدانية، بل حدث يمكن أن ينتج دلالات تتجاوز ساحته المباشرة.

والدول القوية هي التي تستطيع إدارة الرموز الكبرى بطريقة تحفظ كرامة الحدث، وأمن الناس، ومصالح الدولة.

خاتمة: العراق في قلب إعادة رسم الموازين

في المحصلة، قبل تشييع القائد في بغداد تتقاطع مسارات روبيو وعراقجي في المنطقة،

بما يكشف أن العراق يقف في قلب لحظة إقليمية حساسة.

واشنطن تحاول إعادة تثبيت توازناتها التقليدية في الخليج،

وطهران تسعى إلى تثبيت إنجازاتها ورموز حضورها الشعبي والسياسي،

والعراق يجد نفسه بين المسارين، لا كمتفرج، بل كساحة مركزية في إعادة رسم موازين القوة.

فأين العراق من هذا؟
الجواب يتوقف على قدرته على تحويل موقعه من ساحة تنافس إلى منصة قرار،

ومن مجال نفوذ متقاطع إلى دولة تعرف كيف تدير علاقاتها ورموزها وأمنها بما يخدم مصالحها أولاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *