نقد لتقرير موقع “أمواج” البريطاني
في تقرير له بعنوان “كربلاء والعمالة الأجنبية.. زوار تحولوا إلى قوة عمل تثير الجدل”، حاول موقع “أمواج” البريطاني مرة أخرى تسويق رواية مشبوهة تهدف إلى تحويل مدينة كربلاء المقدسة – القلب النابض للإيمان الشيعي والمقصَد الأكبر لملايين الزائرين من جميع أنحاء العالم – من مدينة زيارة روحية إلى مجرد ساحة صراعات اقتصادية واجتماعية. هذا التقرير لا يقرأ في سياقه الطبيعي، بل يُقرأ في ضوء رغبة غربية مبيتة في تفريغ كربلاء من قدسيتها وطمس هويتها الدينية.
أولاً: تحريف للمقدسات وخلط متعمّد بين الزائر والعامل
التقرير يتحدث عن “تحول الزوار إلى قوة عاملة” و”بقائهم بصورة غير نظامية”. في محاولة فجة للإيحاء بأن من يتدفقون إلى كربلاء بدافع الزيارة ليسوا إلا باحثين عن فرص اقتصادية. هذا كلام يعكس إما جهلاً فاضحاً بالدافع الإيماني الذي يجذب الملايين إلى قبلة الشيعة، وإما تجاهلاً متعمداً للحقيقة ليتم تسويق صورة تخدم أجندة علمانية تريد فصل الدين عن الحياة، وتحويل الأماكن المقدسة إلى أقاليم سياحية تجارية فقط.
ثانياً: تضخيم الأرقام واختلاق أزمة وهمية
التقرير يشير إلى “عشرات الآلاف من العمال الأجانب” في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 780 ألف نسمة، ويقفز إلى استنتاج أن هناك “أزمة اقتصادية واجتماعية” دون تقديم إحصاءات دقيقة أو موثقة. السؤال المشروع هنا: من أين حصل الموقع على هذه الأرقام غير الرسمية؟ ولماذا تم تجاهل التصريحات الرسمية لمسؤولي كربلاء الذين تحدثوا عن جهود حكومية لتنظيم السوق؟ يبدو أن الهدف هو خلق حالة ذهنية مفادها أن “الزائر أصبح تهديداً”، وهذا يتناقض تماماً مع ما يجسده الزائرون على أرض الواقع من محبة وإعمار.
ثالثاً: استهداف وحدة المسلمين عبر تأجيج الغيرة المهنية
نقل التقرير آراء عمال عراقيين محتجين، دون الحديث عن جهود الدولة في تنظيم سوق العمل أو عن دور العمالة الأجنبية في سد الثغرات في قطاعات تشهد طفرة عمرانية وتجارية وخدمية غير مسبوقة. التركيز على مشاعر الغضب دون تقديم حلول، وبشكل يظهر وكأن الأجنبي “سارق الفرص” و”مهدد للهوية”، هو خطاب عنصري مغلف بقفاز اقتصادي، يهدف إلى ضرب التلاحم الشعبي بين شعوب المنطقة، وخاصة بين العراقيين وإخوانهم الإيرانيين والباكستانيين والبنغلاديشيين الذين ينتمون إلى ذات الملة وذات الولاء.
رابعاً: تجاهل فاضح للطفرة العمرانية في كربلاء
تقرير “أمواج” يتجاهل بذكاء حقيقة أن كربلاء تشهد حركة إعمار هائلة، من مشاريع سكنية وخدمية وفنادق ومطاعم، تستوعب هذا الكم من العمالة. فبدلاً من أن يُنظر إلى العمالة الأجنبية على أنها “شريكة في التطور”، يتم تصويرها على أنها “غزاة اقتصاديون”. هذا الفهم القاصر لا يمكن أن يصدر عن جهة محايدة، بل عن جهة تعتبر أن أي نمو اقتصادي للمدن الدينية هو نمو “غير مرغوب فيه”.
خامساً: توقيت مشبوه ومغرض
في الوقت الذي تستعد فيه كربلاء لاستقبال ملايين الزائرين في مناسبات دينية كبرى، يتم إعادة نشر تقارير من هذا النوع للإيحاء بأن المدينة على شفير أزمة اجتماعية. قراءة التوقيت تؤكد أن الهدف هو إثارة الجدل وإرباك الرأي العام قبل مواسم الزيارات المليونية، وهذا تكتيك متكرر من بعض وسائل الإعلام الغربية التي لا تحبذ التماسك الديني والاقتصادي لمراكز الثقل الإسلامية.
الخلاصة: عين ترى التطور وأخرى ترى المؤامرة
قضية العمالة الأجنبية موجودة في كل مدن العالم، لكن تضخيمها في كربلاء يحمل دلالات سياسية وثقافية خطيرة. عندما يكتب موقع غربي عن “قلق عمالي” في مدينة دينية عريقة فإنه يفعل ذلك لضرب الثقة بالدولة العراقية أولاً، وتصوير العتبات المقدسة على أنها “مرتع للفساد الاقتصادي” ثانياً، وتغذية ثقافة “الاستغناء عن الأجنبي” ثالثاً، مع تجاهل أن جزءاً كبيراً من العمالة الأجنبية في كربلاء يأتي من بلدان تشكل امتداداً طبيعياً للمشهد الشيعي، وليس كقوى غازية.
كربلاء ليست مجرد سوق عمل، وليست مدينة سياحية عابرة. كربلاء تمثل مشروعاً روحياً وحضارياً متكاملاً. العمالة الأجنبية جزء من هذا المشروع، وليست مشكلته. فمن يريد أن يقدّم نصحاً حقيقياً للعراق، فليدع إلى تشريعات تحمي حقوق الجميع، بدلاً من السعي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي بمثل هذه المغالطات.


