حلف أبي ظبي ….
لا حاجة اليوم إلى كثير من التحليل السياسي؛ فالمشهد، في بعض جوانبه، صار أكثر وضوحًا من أن يحتاج إلى شروحات طويلة. وما كان يُقال بالأمس في الغرف المغلقة، بات يُرى اليوم على الملأ: علاقات تتسع، وتحالفات تتشكل، ومواقف عربية وإسلامية تلتقي، بصورة أو بأخرى، مع المشروع الإسرائيلي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
إنه حلف نتنياهو العربي.
حلفٌ لا يجمع بالضرورة أطرافه تحت راية واحدة، ولا يحتاج إلى معاهدة معلنة كي تظهر ملامحه؛ يكفي أن تتقاطع المواقف، وأن تتشابه الحسابات، وأن يصبح العدو الذي يضرب فلسطين طرفًا يمكن الجلوس معه والتنسيق حول ملفات المنطقة، بينما تُترك فلسطين والمقاومة وشعوب المنطقة أمام آلة الحرب.
لقد ماتت، في نظر كثيرين، تلك اللغة القديمة عن الغيرة على فلسطين، وعن العروبة، وعن وحدة المصير الإسلامي. ومات معها كثير من الشعارات التي طالما ملأت المنابر والبيانات الرسمية.
كيف يمكن أن يُطلب من الشعوب أن تصمت أمام مشاهد الدم والدمار، بينما يجلس بعض القادة العرب والمسلمين مع بنيامين نتنياهو، صاحب المشروع السياسي والعسكري الذي تقف حكومته في قلب الحرب على الفلسطينيين؟
السؤال ليس عن لقاء عابر أو صورة بروتوكولية، بل عن طبيعة المسار السياسي الذي تقود إليه هذه اللقاءات والتفاهمات، وعن الثمن الذي قد تدفعه المنطقة عندما تصبح مواجهة فلسطين وشعوب المنطقة جزءًا من ترتيبات إقليمية أوسع.
فمن فلسطين إلى لبنان واليمن وإيران، تتشابك ساحات الصراع، وتتحول المنطقة إلى مسرح مفتوح للمواجهة. وفي وسط ذلك كله، يظهر نتنياهو باعتباره المستفيد من شبكة علاقات إقليمية تسعى إسرائيل إلى توسيعها وتوظيفها في خدمة رؤيتها للأمن والسياسة في الشرق الأوسط.
وهنا يصبح السؤال الأخطر:
هل نحن أمام تحالف عربي جديد، تتقدم فيه حسابات السلطة والمصالح الضيقة على قضية فلسطين ومصير المنطقة؟
إن التاريخ لا يرحم المواقف الرمادية حين تتحول إلى اصطفافات واضحة. وسيبقى من حق الشعوب أن تسأل حكامها: لماذا تُفتح الأبواب أمام من يقود الحرب على الفلسطينيين، بينما تُغلق الأبواب أمام ضحايا هذه الحرب؟
لقد اعتاد العرب، عبر عقود، سماع الخطب عن الكرامة والسيادة والعروبة. لكن الاختبار الحقيقي لا يكون في الخطب، وإنما في لحظة القرار.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يبدو أن هناك من اختار أن يكون قريبًا من نتنياهو، حتى لو كان ذلك على حساب وجدان شعوب ما زالت ترى فلسطين قضية مركزية.
إنها ليست مجرد صورة مع مسؤول إسرائيلي، ولا مجرد لقاء دبلوماسي آخر.
إنها، بالنسبة إلى كثير من أبناء المنطقة، سؤال عن الهوية والموقف والتاريخ: مع من يقف هؤلاء القادة عندما تتعارض مصالحهم مع فلسطين؟
والأيام وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه الاصطفافات مجرد ترتيبات مؤقتة، أم أنها تؤسس فعلًا لمرحلة جديدة يصبح فيها بعض العرب شركاء في المشروع الإقليمي الذي يقوده نتنياهو.
وحينها لن يكون السؤال: ماذا قالوا؟
بل:
ماذا فعلوا عندما كانت فلسطين تنادي؟


