المقدمة: في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الخنادق، لم تعد الحروب تُحسم في ساحات القتال فقط، بل أصبحت تُحسم في العقول والقلوب قبل الجبهات. فالعدو الذي فشل في إسقاط الشعوب بالدبابة والصاروخ، انتقل إلى سلاح أخطر وأفتك، وهو سلاح تشويه الوعي، وتزييف الحقائق، وقلب المفاهيم، وصناعة الشبهات. ومن هنا برز مصطلح “جهاد التبيين” كواحد من أهم المفاهيم الاستراتيجية في الفكر الإسلامي المعاصر، والذي أكد عليه الإمام الخامنئي (رضوان الله عليه) مراراً وتكراراً واعتبره فريضة قطعية وفورية.
فما هو جهاد التبيين؟ ولماذا هو جهاد؟ وما هي ميادينه؟ ومن هو المكلف به؟
أولاً: مفهوم جهاد التبيين وتأصيله الشرعي
التبيين في اللغة هو الإيضاح والإظهار وكشف الحقيقة بعد أن كانت غامضة أو مشوهة. والجهاد هو بذل الجهد والطاقة في سبيل الله لدفع العدو. فجهاد التبيين يعني بذل كل الجهد والطاقة الفكرية والعلمية والإعلامية والبيانية من أجل كشف الحقائق، ورد الشبهات، وتوضيح المفاهيم، وفضح مخططات العدو.
وهو ليس مصطلحاً جديداً مبتدعاً، بل هو أصل قرآني أصيل. فالقرآن الكريم كله كتاب تبيين، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]. وكانت وظيفة الأنبياء الأولى هي التبيين: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في وصف الفتن قوله: “فإن الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت“. فالفتنة في بدايتها تكون على شكل شبهة جميلة، فكرة براقة، شعار جذاب مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها في باطنها تحمل السم الزعاف. ودور المجاهد بالتبيين هو أن يكشف هذه الشبهة قبل أن تتحول إلى فتنة تأكل الأخضر واليابس.
ولذلك سُمي جهاداً، لأنه يواجه عدواً حقيقياً، وله ثغور ومتاريس، وفيه إصابات وخسائر، ويحتاج إلى صبر ومرابطة وتخطيط، تماماً كالجهاد العسكري، بل هو اليوم أهم من الجهاد العسكري، لأن العدو إذا سيطر على عقلك، فإنه سيسيطر على أرضك دون أن يطلق رصاصة واحدة.
ثانياً: لماذا أصبح جهاد التبيين فريضة الوقت؟
نحن اليوم نعيش في عصر حرب العقول أو ما يسمى بـ “الحرب الناعمة” و “الحرب المعرفية”. والعدو يمتلك إمبراطورية إعلامية ضخمة، آلاف القنوات الفضائية، وجيوشاً إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، ومراكز دراسات تنتج الشبهات ليل نهار.
وهذه الحرب لها أهداف خطيرة:
- تشويه القدوات والمقدسات: فترى حملات ممنهجة لتشويه صورة علماء الدين والمجاهدين والشهداء، وتشويه شعائر أهل البيت (عليهم السلام) كزيارة الأربعين، وتقديمها على أنها مظاهر تخلف، وتشويه مفهوم المقاومة وتحويله إلى إرهاب.
- بث اليأس والإحباط: من أخطر أسلحة العدو هو سلاح “تضخيم العيوب وتصغير الإنجازات”. فترى الشاب العراقي أو الإيراني أو اللبناني لا يرى إلا الفساد والفقر والبطالة، وينسى أن بلده يمتلك أكبر طاقات بشرية ونفطية، وأنه يمتلك تاريخاً وحضارة، وأن العدو هو سبب كثير من مشاكله عبر الحصار والعقوبات والحروب. الهدف هو أن يقول الشاب: “لا فائدة، لا يمكن الإصلاح”، فيترك الساحة ويعتزل.
- تزييف التاريخ والحقائق: تزوير ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وتحويلها من ثورة إصلاحية ضد الظلم إلى مجرد قصة حزينة للبكاء فقط، وتزوير تاريخ المقاومة، وتزوير حقائق ما يجري في فلسطين واليمن وسوريا، حتى أصبح الظالم مظلوماً والمظلوم ظالماً في نظر الكثير من المخدوعين.
- تفكيك الأسرة والمجتمع: عبر الترويج لمفاهيم منحرفة تحت غطاء الحرية الشخصية، كالشذوذ الجنسي، والنسوية المتطرفة، والإلحاد، وقطع صلة الشباب بعلمائهم ومراجعهم وأسرهم.
أمام هذا الطوفان الهائل من التضليل، فإن السكوت جريمة، والحياد خيانة. فإذا كان العدو يبذل مليارات الدولارات لكي يضل شاباً واحداً، فكم يجب علينا أن نبذل من جهد لكي نهدي هذا الشاب ونوضح له الحقيقة؟ من هنا قال الإمام الخامنئي: “اليوم جهاد التبيين فريضة قطعية وفورية”.
ثالثاً: ميادين جهاد التبيين
جهاد التبيين ليس محصوراً في المنبر أو الحوزة فقط، بل هو جهاد شامل له ميادين واسعة:
- الميدان العقائدي والفكري: وهو أهم ميدان. يجب تبيين أصول الدين وفروعه بلغة عصرية يفهمها الشباب، والرد على شبهات الإلحاد والتشكيك التي تنتشر في الجامعات ومواقع التواصل. تبيين أن الدين ليس طقوساً جامدة، بل هو منهج حياة متكامل يضمن السعادة للإنسان.
- الميدان السياسي: تبيين حقيقة الاستكبار العالمي، وأن أمريكا وإسرائيل ليستا قدراً لا يمكن مواجهته، بل هما أوهن من بيت العنكبوت كما أثبتت حرب غزة ولبنان. تبيين أن المقاومة هي الخيار الوحيد لحفظ الكرامة، وأن مسار التطبيع والذلة لن يجلب إلا المزيد من الذل. تبيين إنجازات محور المقاومة، فكم من شاب لا يعرف أن العراق انتصر على داعش بفتوى المرجعية ودماء الحشد الشعبي، لولا هذا التبيين لاعتقد أن أمريكا هي من انتصرت.
- الميدان الاجتماعي والأخلاقي: تبيين أهمية الأسرة، وخطورة المخدرات التي باتت سلاحاً يستخدمه العدو لتدمير الشباب، وخطورة الابتذال في مواقع التواصل. تبيين أن العفة والحجاب ليس قيداً للمرأة بل هو صيانة لكرامتها وتحرير لها من استغلال الرأسمالية لجسدها كسلعة.
- ميدان الإنجازات و الأمل: وهذا ميدان مهمل جداً. نحن مقصرون جداً في تبيين إنجازاتنا. الشاب اليوم يرى فقط السلبيات. يجب أن نبين له أن العراق رغم كل جراحه، بنى جامعات، وخرج أطباء ومهندسين، وحقق الاكتفاء في بعض المحاصيل، وأن شبابه اخترعوا وصنعوا طائرات مسيرة، وأن زيارة الأربعين هي أكبر تجمع بشري سلمي في العالم ويديره الشعب بنفسه دون تدخل حكومي، وهذا فخر لا يوجد في أي مكان في العالم. تبيين الإنجازات يصنع الأمل، والأمل يصنع العمل.
رابعاً: من هو المجاهد في جهاد التبيين وما هي أدواته؟
جهاد التبيين ليس واجباً على العلماء فقط، بل هو واجب على كل من يمتلك بياناً وقدرة على التأثير، وكل حسب موقعه:
– العالم والمبلغ: بمنبره وكتابه ودرسه.
– الأستاذ الجامعي:في قاعة الدرس، عبر غرس المفاهيم الصحيحة في نفوس طلابه.
– المعلم في المدرسة: فهو يبني جيلاً كاملاً.
– الأم والأب: في البيت، عبر تبيين الحقائق لأولادهم وحمايتهم من الغزو الثقافي.
– الشاب الجامعي والطالب:عبر حسابه في انستغرام أو تيك توك أو تليغرام، يستطيع أن يكون مجاهداً، بكلمة حق، بمنشور يرد فيه شبهة، بمقطع فيديو قصير يبين فيه إنجازاً لبلده، بتعليق يدافع فيه عن المقاومة.
أما أدوات جهاد التبيين فهي:
- الكلمة الصادقة والمخلصة: فالكلمة إذا خرجت من القلب دخلت إلى القلب. الصدق هو أهم سلاح.
- الحكمة والموعظة الحسنة: قال تعالى {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}. لا يكون التبيين بالسباب والشتائم والاتهام، بل بالدليل والمنطق والهدوء. الشاب الذي لديه شبهة لا يحتاج إلى من يكفره، بل يحتاج إلى من يحتضنه ويجيب على سؤاله بصبر.
- الاستفادة من الفن والإعلام الحديث: اليوم الشباب لا يقرأ مقالاً من 800 كلمة، بل يشاهد مقطع ريلز من 30 ثانية. يجب أن ننزل إلى ساحتهم، نصنع أفلاماً قصيرة، تصاميم جذابة، بودكاست، قصص مصورة، بلغة بسيطة ومؤثرة. العدو يتقدم علينا في هذا المجال بعشرات السنين.
- العمل الميداني:التبيين ليس كلاماً فقط، بل هو عمل. عندما يرى الناس أن المجاهدين في الحشد الشعبي هم أول من يساعد في الفيضانات ويبني المدارس، فهذا أكبر تبيين لحقيقة الحشد. عندما يرى الناس أن المتدين هو الأكثر أمانة في عمله، فهذا تبيين للدين.
الخاتمة: إن جهاد التبيين اليوم هو الخط الأول للدفاع عن الإسلام وعن الأمة وعن مستقبل أجيالنا. فإذا خسرنا معركة الوعي، سنخسر كل المعارك الأخرى حتى لو انتصرنا عسكرياً. وإذا انتصرنا في معركة الوعي، فإن كل انتصاراتنا الأخرى ستكون مضمونة وراسخة.
إن مسؤوليتنا اليوم، وخصوصاً نحن الشباب، أن لا نكون مجرد متفرجين على هذا الطوفان من التضليل، بل أن نكون جنوداً في هذا الجهاد المقدس. كل واحد منا يستطيع أن يكون منبراً متحركاً، يبين حقيقة واحدة، يرد شبهة واحدة، ينشر أملاً واحداً.
فلنبدأ من اليوم، من بيوتنا، من هواتفنا، من مجالسنا. لنبين للناس أن طريق الحسين (عليه السلام) هو طريق العزة، وأن طريق المقاومة هو طريق الكرامة، وأن المستقبل لهذا الدين ولهذه الأمة رغم كيد الكائدين، كما وعدنا الله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.
وما النصر إلا من عند الله.


