المقدمة
يمثل انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026 محطة مهمة في مسار الدولة العراقية بعد أكثر من عقدين من التحولات السياسية والأمنية التي أعقبت عام 2003.
لكن انتهاء مهمة عسكرية أجنبية، على أهميته السياسية والأمنية، لا يعني تلقائيًا اكتمال مفهوم السيادة.
فمفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين أصبح أكثر تعقيدًا من المفهوم التقليدي المرتبط بالأرض والحدود والقوات المسلحة. يمكن لدولة أن تستعيد السيطرة الكاملة على أراضيها، وأن لا توجد فوق أرضها قوات أجنبية، لكنها تظل في الوقت نفسه شديدة الاعتماد على الخارج في نظامها المالي، وتسوياتها الدولية، وتقنياتها الأساسية، وبناها الرقمية، ومنصاتها، وبياناتها، واتصالاتها.
ومن هنا أعتقد أن السؤال الذي سيواجه العراق بعد انتهاء المهمة العسكرية ليس فقط:
هل أصبح العراق أكثر سيادة بعد الانسحاب؟
وإنما:
ما مقدار السيادة الفعلية التي تمتلكها الدولة العراقية على اقتصادها ونظامها المالي وبنيتها الرقمية وبياناتها ومواردها؟
وهنا يظهر الفرق بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية.
العراق دولة ذات سيادة قانونية كاملة، ويمتلك مؤسسات دستورية وعملة وطنية وبنكًا مركزيًا واحتياطيات مالية، ويتصرف قانونيًا في موارده الطبيعية.
لكن امتلاك هذه العناصر لا يعني بالضرورة أن الدولة تمتلك الدرجة نفسها من الاستقلال الاقتصادي والمالي والتكنولوجي.
من سيادة الأرض إلى سيادة الدولة
يمكن النظر إلى السيادة الحديثة على أنها مجموعة دوائر مترابطة.
فالسيادة العسكرية تعني أن تسيطر الدولة على أرضها وسمائها ومياهها، وأن تمتلك القدرة على حماية فضائها الطيفي والرقمي.
والسيادة السياسية تعني أن تصنع الدولة قراراتها وفق مصالحها الوطنية.
والسيادة الاقتصادية تعني ألا يصبح مورد واحد أو قناة مالية واحدة أو جهة خارجية واحدة قادرة على إحداث اضطراب كبير في عمل الاقتصاد والدولة.
والسيادة الرقمية تعني قدرة الدولة على التحكم ببياناتها وهويتها الرقمية وبناها التحتية وأنظمتها الحيوية ومنصاتها الحكومية وحمايتها من الاختراق أو التبعية المفرطة للخارج.
ومن هذا المنطلق لا أعتقد أن استعادة أحد أبعاد السيادة تعني بالضرورة اكتمال بقية الأبعاد.
قد نغلق ملف الوجود العسكري المباشر، لكننا ندخل في المقابل مرحلة أكثر تعقيدًا ترتبط بالاقتصاد والمال والتكنولوجيا.
السيادة الاقتصادية وعقدة الاعتماد النفطي
أحد أهم مظاهر هشاشة السيادة الاقتصادية العراقية هو اعتماد الدولة بدرجة استثنائية على النفط.
فالاقتصاد العراقي لا يزال قائمًا إلى حد كبير على دورة تبدأ بتصدير النفط، ثم دخول الإيرادات إلى الدولة، ثم إعادة توزيع جانب كبير منها من خلال الموازنة العامة والرواتب والتقاعد والعقود والتحويلات والإنفاق الحكومي.
وهذه الدورة ساعدت على تمويل الدولة وضمان مستويات مهمة من الاستقرار الاجتماعي، لكنها لم تنجح بالدرجة المطلوبة في خلق اقتصاد إنتاجي متنوع قادر على توليد الدخل خارج القطاع النفطي.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى استمرار اعتماد المالية العامة العراقية بصورة شديدة على الإيرادات النفطية، مع بقاء فاتورة الأجور والتوظيف العام والإنفاق الجاري من أبرز مصادر الضغط على الاستدامة المالية.
فالريع النفطي لم يتحول بالقدر الكافي من أداة للتوزيع إلى أداة للتكوين الرأسمالي.
أي أننا نجيد توزيع جزء كبير من عائد النفط، لكننا لم ننجح بالمستوى نفسه في تحويله إلى مصانع وشركات وبنية لوجستية وصناعات تكنولوجية وطاقة متطورة واقتصاد رقمي وقدرات إنتاجية مستدامة.
وفي تقديري، يجب أن تتغير وظيفة النفط في الاقتصاد العراقي.
ليس المطلوب إيقاف الإنفاق الاجتماعي أو التخلي عن مسؤوليات الدولة، وإنما تخصيص نسبة متزايدة من الريع النفطي لبناء رأس المال الذي يولد دخلًا جديدًا.
- طرق وموانئ وسكك حديد.
- طاقة كهربائية مستقرة.
- صناعة وزراعة حديثة.
- اقتصاد رقمي.
- تعليم تقني.
- بحث وتطوير.
- شركات خاصة قابلة للنمو والتصدير.
- وصناديق استثمارية قادرة على تحويل الثروة النفطية الحالية إلى أصول منتجة للأجيال المقبلة.
فعندما يمول النفط اقتصادًا متنوعًا، يصبح عنصر قوة سيادية.
أما عندما يمول دورة مستمرة من الاستهلاك والاستيراد، فإنه يصبح في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر هشاشة.
عائدات النفط والسيادة المالية
تظهر القضية بصورة أوضح عند النظر إلى البنية التي تتحرك من خلالها الإيرادات النفطية العراقية.
يجب أولًا توضيح نقطة مهمة بدقة.
عائدات النفط العراقية هي أموال عراقية، وليست أموالًا مملوكة للولايات المتحدة.
لكن جانبًا أساسيًا من هذه العائدات يدخل في حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، ضمن ترتيبات مالية تعود جذورها إلى ما بعد عام 2003 وتطورت لاحقًا إلى الصيغة الحالية.
وهذا الترتيب وفر للعراق عبر السنوات وظائف مهمة، من بينها تسهيل عمليات الدولار وحماية مالية في مواجهة بعض المطالبات القانونية ودعم استقرار التسويات الخارجية.
لكنه يكشف في الوقت نفسه عن حقيقة في الاقتصاد السياسي الدولي:
الدولة قد تمتلك المال قانونيًا، لكنها لا تمتلك بالضرورة سيطرة كاملة على كل البنية الدولية التي يتحرك المال عبرها.
والولايات المتحدة بحكم موقع الدولار داخل النظام المالي العالمي، ووجود بنك الاحتياطي الفدرالي، وتأثير الخزانة الأمريكية، وشبكة البنوك المراسلة العالمية، تمتلك أدوات نفوذ مالية لا ترتبط بوجود قاعدة عسكرية داخل العراق.
ولهذا فإن انتهاء المهمة العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ المالي.
قد تتغير أدوات القوة من أداة عسكرية ظاهرة إلى أدوات مالية وتنظيمية ومصرفية أكثر تعقيدًا.
وهنا ندخل في مفهوم (Financial Statecraft)، أي استخدام الأدوات المالية والاقتصادية والمصرفية ضمن أدوات السياسة الخارجية للدول.
هل يمثل النظام المالي الدولي قيدًا أم ضرورة؟
لا ينبغي التعامل مع هذه القضية بمنطق مبسط يرى أن كل متطلبات النظام المالي العالمي نوع من فرض الإرادة الخارجية.
فمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، ومعرفة العميل، والتحقق من المستفيد الحقيقي، ومراقبة التحويلات المشبوهة، ليست مطالب أمريكية فحسب.
هي ضرورية للعراق نفسه.
الدولة العراقية تحتاج إليها لحماية أموالها ومصارفها، ومواجهة الفساد، والتهريب، وغسل الأموال، وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وإدماج النظام المصرفي العراقي في الاقتصاد العالمي.
كما أن العراق أصبح في حزيران/يونيو 2026 ضمن الدول الخاضعة للمتابعة المتزايدة لدى مجموعة العمل المالي (FATF)، والتزم بخطة عمل لمعالجة عدد من أوجه القصور الاستراتيجية في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح.
إذن المشكلة ليست في وجود المعايير.
المشكلة تظهر عندما يكون اعتماد الدولة على عدد محدود من القنوات المالية كبيرًا إلى درجة تسمح بتحول أي قيود عليها إلى نقطة اختناق في التجارة والسيولة والاقتصاد.
ولهذا فإن الهدف العراقي ينبغي ألا يكون التحرر من قواعد النظام المالي الدولي.
بل زيادة قدرة العراق على العمل داخله من موقع أكثر قوة.
المطلوب ليس حربًا على الدولار
أحد الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها النقاش السياسي هو اختزال السيادة الاقتصادية بشعار التخلص من الدولار.
لا أعتقد أن هذه هي المسألة.
الدولار سيظل لسنوات طويلة أحد أهم العملات العالمية، والتجارة الدولية والاحتياطيات والمصارف المراسلة مرتبطة به بدرجة كبيرة.
والانتقال المتسرع منه قد يخلق أضرارًا تفوق الفوائد.
لكن هذا لا يعني أن يبقى الاقتصاد العراقي معتمدًا بصورة مفرطة على قناة واحدة أو عملة واحدة.
والبنك المركزي العراقي بدأ بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه.
فقد أُنجز الانتقال، مع نهاية عام 2024 وبداية 2025، من المنصة الإلكترونية للتحويلات الخارجية إلى التعامل المباشر بين المصارف العراقية وبنوكها المراسلة في الخارج.
كما أُنشئت قنوات للتحويل بعملات مختلفة، من بينها اليورو واليوان الصيني والروبية الهندية والدرهم الإماراتي، إلى جانب الدولار، بحسب طبيعة التجارة والدولة التي تتم معها التسوية.
وهذا هو الاتجاه الصحيح.
ليس استبدال الدولار باليوان.
وليس استبدال واشنطن ببكين.
ولا الانتقال من اعتماد على قوة دولية إلى اعتماد على قوة دولية أخرى.
السيادة الحقيقية هي امتلاك البدائل.
كلما امتلك العراق عددًا أكبر من البنوك المراسلة، والعملات التي يستطيع التسوية بها، والأسواق التي يستطيع الوصول إليها، وشركاء اقتصاديين متعددين، انخفضت هشاشته أمام أي قناة منفردة.
وبذلك تصبح عملية التنويع أداة لتعزيز السيادة، لا مشروعًا للمواجهة مع النظام المالي الدولي.
أين يقع القيد الملزم؟
إذا أردنا ترتيب المشكلة بصورة تحليلية، فلا أعتقد أن القيد العراقي يقع في عنصر واحد.
هناك مجموعة مترابطة من القيود الداخلية.
في مقدمتها طبيعة التسوية السياسية وشبكات المصالح التي تؤثر في توزيع الموارد والعقود والفرص الاقتصادية.
ويضاف إليها الفساد السياسي عندما يتحول النفوذ السياسي إلى وسيلة للاستحواذ على الموارد العامة أو حماية المصالح الاقتصادية أو تعطيل الإصلاحات التي تمس شبكات مستفيدة من الوضع القائم.
وهناك أيضًا ضعف النظام المصرفي، الذي لا يزال دوره في تحويل الادخار إلى استثمار وتمويل النشاط المنتج أقل بكثير مما يحتاج إليه الاقتصاد العراقي.
كما أن غياب سياسة صناعية وإنتاجية واضحة يجعل الأموال المتاحة، حتى عند توفرها، لا تتجه بالضرورة إلى القطاعات التي تستطيع تغيير بنية الاقتصاد.
ويضاف إلى ذلك ضعف بيئة الأعمال، والبيروقراطية، وعدم استقرار بعض التشريعات، والاقتصاد غير الرسمي، وضعف الجباية الضريبية والجمركية، ومحدودية البيانات الاقتصادية الدقيقة.
لكنني أعتقد أن الحوكمة تظل المدخل الأساسي.
فمن الصعب تنفيذ سياسة صناعية ناجحة داخل بيئة غير مستقرة مؤسسيًا.
ومن الصعب إصلاح القطاع المصرفي إذا كانت شبكات المصالح تستطيع التأثير في الرقابة.
ومن الصعب جذب استثمارات طويلة الأجل إذا لم يشعر المستثمر بأن القانون والعقد والمؤسسات قادرة على حماية استثماره.
لذلك فإن السيادة الاقتصادية ليست قرارًا يصدر عن الدولة.
إنها نتيجة تراكمية لجودة مؤسسات الدولة.
ماذا يحدث إذا تراجعت القيود الخارجية؟
لنفترض أن العراق أصبح يمتلك حرية أوسع في إدارة أمواله، وأن عدد البنوك المراسلة تضاعف، وأن التسويات أصبحت موزعة على عملات متعددة، وأن القيود الخارجية انخفضت إلى حدها الأدنى.
هل ستصبح لدينا تلقائيًا سيادة اقتصادية؟
الجواب هو لا.
لأن القيد التالي سيظهر من الداخل.
- سيظهر الفساد.
- وضعف الإنتاج.
- وتضخم القطاع العام.
- وضعف النظام المصرفي.
- والتهريب.
- والاقتصاد غير الرسمي.
- والتداخل بين المال والسياسة.
- وضعف الضرائب والجمارك.
- وضعف القطاع الخاص الحقيقي.
فمن السهل أحيانًا تفسير كل مشكلة اقتصادية عراقية بالعامل الخارجي.
لكن الدولة التي تريد السيادة يجب أن تكون قادرة أيضًا على مواجهة اختلالاتها الداخلية.
فالنفوذ الخارجي يصبح أكثر فاعلية عندما يجد دولة ضعيفة اقتصاديًا ومؤسساتيًا.
وكلما أصبحت المؤسسات الداخلية أقوى، تقلص تلقائيًا تأثير الخارج.
السيادة الرقمية التي لم تكتمل بعد
إذا كانت السيادة الاقتصادية ترتبط بالأموال والموارد والأسواق، فإن السيادة الرقمية ترتبط بالبنية التي ستعمل من خلالها الدولة في المستقبل.
- فالهوية.
- والسجلات المدنية.
- والضرائب.
- والجمارك.
- والصحة.
- والتعليم.
- والرواتب.
- والمدفوعات.
- والعقارات.
- والمركبات.
- والتوقيع الإلكتروني.
- والخدمات الحكومية.
جميعها تتحول تدريجيًا إلى بيانات وأنظمة رقمية.
وبذلك تتحول السيطرة على البيانات والبنية الرقمية إلى جزء من مفهوم الأمن القومي.
والعراق شهد خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في مجال الأتمتة والخدمات الإلكترونية.
كما أُعلن حكوميًا عن إنشاء مركز وطني للتحول الرقمي ضمن مشروع أوسع للتحول الحكومي، ثم أصبح المركز واختصاصاته الحالية منظمة بموجب تعليمات تشكيلات مكتب رئيس مجلس الوزراء رقم (1) لسنة 2025، المنشورة في الوقائع العراقية بتاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
ويتولى المركز إعداد السياسات والاستراتيجيات الوطنية، وإدارة المشاريع الرقمية الكبرى، والعمل في مجالات البنية التحتية والبيانات الحكومية.
وتوجد اليوم مشاريع ومنصات حكومية تستحق التقييم والبناء عليها، ومنها بوابة أور، ومشاريع التكامل وتبادل البيانات وبعض الخدمات الحكومية الرقمية.
لكن وجود التطبيقات والمنصات لا يعني في حد ذاته أن العراق أنجز تحولًا رقميًا.
مشكلة الرقمنة الشكلية
ما زال جزء مهم مما يسمى بالتحول الرقمي في العراق أقرب إلى رقمنة واجهة الإجراء من إعادة بناء الدولة رقميًا.
نحوّل الورقة إلى ملف إلكتروني.
والاستمارة إلى نموذج على الإنترنت.
والنافذة إلى تطبيق.
لكن الإجراء الإداري نفسه يبقى معقدًا.
وقد تستقبل الوزارة الطلب إلكترونيًا ثم تستكمل بقية مراحله يدويًا.
أو تنشئ كل مؤسسة قاعدة بيانات خاصة بها من دون تكامل حقيقي مع المؤسسات الأخرى.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في النقاش العراقي:
- الرقمنة.
- الأتمتة.
- والتحول الرقمي.
- الرقمنة تعني تحويل المعلومات من الورق إلى الشكل الرقمي.
- والأتمتة تعني جعل جزء من العملية ينفذ إلكترونيًا.
- أما التحول الرقمي الحقيقي فيعني إعادة هندسة العملية الحكومية نفسها وبناء الدولة على قواعد جديدة قائمة على التكامل والبيانات والهوية الرقمية والثقة الرقمية.
ولهذا لا يمكن أن ندعي أننا دخلنا مرحلة الدولة الرقمية فقط لأن لدينا عشرات التطبيقات الحكومية.
السؤال الأهم هو:
- هل تستطيع هذه الأنظمة التحدث مع بعضها؟
- هل يمتلك المواطن هوية رقمية وطنية موحدة؟
- هل تمتلك الدولة سجلات أساسية موثوقة؟
- هل توجد طبقة وطنية آمنة لتبادل البيانات؟
- هل توجد منظومة توقيع إلكتروني موثوق؟
- هل لدينا تشريع فعال لحماية البيانات؟
- هل توجد قواعد واضحة لاستضافة البيانات الحكومية؟
- هل توجد معايير إلزامية للتشغيل البيني (Interoperability)؟
- وهل تخضع الأنظمة الحكومية جميعها لمتطلبات أمن سيبراني وطنية موحدة؟
إذا كانت الإجابة عن معظم هذه الأسئلة لا تزال غير مكتملة، فإننا نكون أمام مسيرة نحو التحول الرقمي، وليس أمام دولة رقمية مكتملة.
البنية التحتية الرقمية العامة (DPI)
المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من بناء التطبيقات إلى بناء البنية التحتية الرقمية العامة (DPI).
وهذا يعني بناء طبقات وطنية مشتركة تستطيع كل الوزارات والجهات الحكومية استخدامها.
- هوية رقمية موثوقة.
- توقيع إلكتروني.
- مدفوعات رقمية.
- سجلات أساسية.
- نظام تبادل بيانات حكومي.
- واجهات برمجية وطنية موحدة.
- منصة للإشعارات والمراسلات الرسمية.
- ونظم للثقة الرقمية.
عندها لا تحتاج كل وزارة إلى بناء دولة رقمية صغيرة خاصة بها.
بل تصبح جميع الوزارات أجزاء من دولة رقمية واحدة.
وهذه هي النقلة المطلوبة من الرقمنة المجزأة إلى التحول الرقمي المؤسسي.
لا سيادة رقمية من دون تشريع
لا يمكن بناء هذه المنظومة بالبرمجيات وحدها.
فالتكنولوجيا تحتاج إلى قانون.
ويحتاج العراق إلى إطار تشريعي حديث يغطي بصورة متكاملة حماية البيانات الشخصية، والهوية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني، والثقة الرقمية، وتبادل البيانات، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية الحكومية، وتصنيف البيانات، وحفظ السجلات الرقمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات العامة.
ومن دون ذلك يمكن أن نبني مشاريع تقنية متقدمة فوق قاعدة قانونية قديمة أو غير مكتملة.
وهذا يمثل خطرًا على الدولة وعلى المواطن في الوقت نفسه.
المصارف الرقمية جزء من السيادة الوطنية
يرتبط هذا الموضوع مباشرة بالسؤال عن مستقبل النظام المالي العراقي.
فكلما انتقلت الدولة نحو الدفع الإلكتروني والمصارف الرقمية والتجارة الإلكترونية، أصبح الأمن السيبراني جزءًا من الأمن الاقتصادي.
ليس من المنطقي أن نسعى إلى توسيع المدفوعات الرقمية ثم نتعامل مع أمنها بوصفه شأنًا تقنيًا ثانويًا.
البنية المصرفية الرقمية تحتاج إلى منظومات متقدمة للكشف عن الاحتيال، ومصادقة قوية، وتشفير، ومراكز عمليات أمنية، واستمرارية أعمال، وتعافٍ من الكوارث، وتدقيق دوري، وتبادل آمن للمعلومات عن التهديدات السيبرانية.
ويحتاج البنك المركزي والمصارف العراقية إلى النظر إلى هذه البنية باعتبارها جزءًا من البنية التحتية الوطنية الحرجة.
لأن تعطيل منظومة المدفوعات اليوم قد تكون له آثار اقتصادية لا تقل خطورة عن تعطيل منشأة مادية حيوية.
السيادة ليست العزلة
هناك تصور خاطئ يجب الابتعاد عنه.
السيادة لا تعني أن تنتج الدولة كل شيء بنفسها.
ولا تعني أن تعزل نظامها المالي عن العالم.
ولا تعني أن تمتلك خوادمها وبرمجياتها كلها داخل حدودها مهما كانت الكلفة.
الدول الحديثة تعتمد على بعضها.
والاقتصاد العالمي قائم على الاعتماد المتبادل.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاعتماد المتبادل والتبعية.
الاعتماد المتبادل يعني أن لديك عدة شركاء وعدة بدائل، وأن الطرف الآخر يحتاج إليك كما تحتاج إليه بدرجات متفاوتة.
أما التبعية فتبدأ عندما يصبح غياب جهة واحدة أو منصة واحدة أو دولة واحدة كافيًا لتعطيل وظيفة حيوية داخل الدولة.
ومن هنا يجب أن يكون الهدف العراقي هو تقليل (الاعتماد الحرج)، لا الانعزال.
مشروع السيادة للعقد المقبل
إذا أراد العراق تحويل مرحلة ما بعد الانسحاب إلى فرصة استراتيجية، فيجب ألا يتوقف مشروع السيادة عند المجال العسكري.
المطلوب خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة مشروع متوازٍ على ثلاثة مسارات.
المسار الأول اقتصادي، يقوم على تحويل الريع النفطي تدريجيًا إلى رأس مال منتج وتنويع الاقتصاد وتعزيز القطاع الخاص والصناعة والتصدير.
والمسار الثاني مالي، يقوم على إصلاح المصارف، والامتثال الكامل للمعايير الدولية، وزيادة عدد المصارف المراسلة، وتنويع العملات وقنوات التسوية، وتقليل نقاط الاختناق من دون مغادرة النظام المالي العالمي.
والمسار الثالث رقمي، يقوم على بناء بنية تحتية رقمية عامة، وهوية رقمية موثوقة، وتشريعات حديثة، وتكامل البيانات، والأمن السيبراني، ومنصات وطنية وفق معايير عالمية.
وبذلك لا تصبح السيادة شعارًا سياسيًا، وإنما قدرة مؤسسية قابلة للقياس.
السيادة تُبنى بالسياسة لا بالصدام
الدعوة إلى تعزيز السيادة الاقتصادية أو المالية أو الرقمية للعراق لا تعني البحث عن مواجهة مع الولايات المتحدة أو مع أي دولة أخرى، ولا تعني انتزاع هذه الحقوق بالقوة أو بسياسة التصعيد.
فالقوة العسكرية ليست الوسيلة المناسبة لمعالجة الاعتماد المالي أو التكنولوجي.
والعراق يستطيع أن يحصل على مساحة أكبر من الاستقلال من خلال السياسة الهادئة، والدبلوماسية، وبناء المصالح المشتركة، وتنويع العلاقات الاقتصادية، وتعزيز مؤسساته، وتحسين التزامه بالمعايير المالية الدولية، وبناء الثقة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول المنطقة وآسيا وبقية المجتمع الدولي.
كلما أصبح الاقتصاد العراقي أقوى وأكثر شفافية، وكلما أصبحت مصارفه أكثر امتثالًا، وكلما أصبحت الدولة أكثر قدرة على حماية بياناتها وإدارة بنيتها الرقمية، ازدادت مساحة قرارها المستقل بصورة طبيعية.
فالسيادة المستدامة لا تُبنى بعزل العراق عن العالم، وإنما بجعل العالم يثق بالعراق ويتعامل معه بوصفه دولة قوية المؤسسات وقادرة على الوفاء بالتزاماتها.
كما أن التعاون الاقتصادي المتوازن يخلق نوعًا أكثر استدامة من الاستقلال من الصدام.
العراق لا يحتاج إلى استبدال علاقة اعتماد بعلاقة اعتماد أخرى، ولا إلى الانتقال من محور دولي إلى محور مضاد.
ما يحتاج إليه هو بناء شبكة واسعة من العلاقات تجعل مصالحه مرتبطة بعدة دول وأسواق ومؤسسات، بحيث لا يستطيع طرف واحد احتكار قدرته على الوصول إلى المال أو التكنولوجيا أو التجارة.
السيادة ليست أن لا تحتاج إلى أحد.
فلا توجد دولة حديثة لا تحتاج إلى الآخرين.
السيادة هي أن لا تصبح حاجتك إلى طرف واحد أقوى من قدرتك على اتخاذ قرارك.
وعندما يمتلك العراق مؤسسات قوية، واقتصادًا متنوعًا، ونظامًا ماليًا موثوقًا، وبنية رقمية وطنية آمنة، وعلاقات دولية متوازنة قائمة على المصالح والثقة المتبادلة، عندها يمكن الحديث عن انتقال حقيقي من سيادة الأرض إلى سيادة الدولة.


