المحرِّر بوصفه ظلّ الكاتب
كان فعل المحرِّر، منذ بدايات الكتابة، فعل الكاتب نفسه أو ظلّه الأقرب. فالمحرِّر لا يفتقر إلى الأفكار، لكنه يفتقر إلى الجسد.
أفكار المحرِّر لا تحيا وحدها، ولا تستطيع أن تؤسس نصاً مستقلاً. لذلك تعيش دائماً داخل نصوص الآخرين، كما يعيش الطفيلي داخل مُضيفه.
غير أن الطفيلي، خلافاً لما يظنه كثيرون، ليس عدواً مطلقاً للجسد. فهو يحافظ عليه حياً بالقدر الذي يسمح له هو بالاستمرار.
كما أنه لا يلتهم الجسد كله، بل يتغذى غالباً على ما يزيد عن حاجته. ومن هنا تبدأ ضرورة المحرِّر داخل النص.
المحرِّر والزوائد التي تثقل النص
يقول ماكس بيركنز، محرِّر رواية الشيخ والبحر: «وظيفة المحرِّر هي أن يجعل الكاتب يبدو أفضل مما يظنّ أنه قادر عليه».
وهكذا تعمل أفكار المحرِّر داخل النص. فهي تقتات على الزوائد، وعلى الترهل، وعلى ما لا يحتاجه النص كي يبقى واقفاً.
لكن في لحظات نادرة وخطيرة، لا تكتفي هذه الأفكار بدورها الهامشي. بل تبدأ بطرد الأفكار الأصلية، ثم تستوطن مكانها.
وعندها لا يبقى الطفيلي طفيلياً داخل الجسد. بل يتحول إلى خلية سرطانية تهدد النص من داخله.
المحرِّر والمترجم والمحقِّق
لا يقع هذا الفعل على عاتق المحرِّر وحده. بل يطول أيضاً المترجم والمحقِّق، حين يتجاوز كل واحد منهم حدّه الطبيعي.
ويمكن الاستشهاد هنا بما جرى قديماً مع الرومان. فحين كانوا يغزون بلداً ما، كان مثقفوهم يبدأون بترجمة الكتب.
لكنهم لم يكتفوا بالترجمة وحدها. بل شطبوا اسم الكاتب الأصلي، ووضعوا أسماءهم مكانه.
ولم يرافق هذا الفعل إحساس بالسرقة. بل رافقه شعور بالطمأنينة المطلقة، كأن الاستيلاء جزء من الحق.
القارئ المثالي لا الكاتب البديل
يقول وليام زينسر: «المحرِّر الجيد هو قارئٌ مثالي، لا كاتبٌ بديل». وهذه العبارة تضبط حدود وظيفة المحرِّر بدقة.
لهذا لا نرى المحرِّر اليوم كياناً مستقلاً كما كان في الحياة الثقافية السابقة. فقد انتقل إلى مكان أعمق وأكثر خطورة.
لقد أصبح كل كاتب يحمل محرِّراً في داخله. وصار جسد الكاتب يضم خلاياه المتناقضة كلها في وقت واحد.
فهناك الخلايا الأكثر عزلة، والأكثر حرية، والأكثر توحشاً، والأكثر سلاماً. كما توجد خلايا تريد قول كل شيء.
وفي المقابل، توجد خلايا أخرى تحذف الكلام قبل أن يقال. وبهذا يتحول الكاتب نفسه إلى ساحة تحرير داخلية.
المعركة التي انتقلت إلى الداخل
لم تعد هناك معركة خارجية واضحة بين الكاتب والمحرِّر. ولا يحدث ذلك فقط لأنها انتقلت من فضاء واسع إلى فضاء داخلي ضيق.
بل يحدث أيضاً لأن الكاتب يشعر بأنه تحرر من سلطة المحرِّر. كما يشعر بأنه لم يعد مطالباً بتبرير كل ما يكتب.
وبهذا التحول، دخل الأدب في حالة تردد قَسَويّة. فهي حالة لا تسمح له بالاستقرار، ولا تمنحه الخلود بسهولة.
لا خلية تنوب عن أخرى داخل النص. كما لا يحق لصوت واحد أن يقضي على سواه بصورة نهائية.
فالكتابة، كي تمرّ وتنجو، لا تحتاج إلى الحرية وحدها. بل تحتاج أيضاً إلى ما يناقض الحرية ويقاوم اندفاعها.
داخل كل محرِّر كاتب
يمكن صياغة عبارة وليام زينسر بطريقة أخرى. داخل كل محرِّر كاتب، ولكن ليس داخل كل كاتب محرِّر.
ومن هنا، علينا أن نعيد إحياء خلايا المحرِّرين. فهذه الخلايا، رغم جشعها ورأسماليتها، تملك وظيفة لا غنى عنها.
ولا نتحدث عنها هنا بوصفها قيماً أخلاقية. بل بوصفها أدوات ضغط قادرة على إنقاذ النص من فائضه.
إنها القوة الوحيدة القادرة على شدّ الجملة. كما أنها القوة التي تنحّف العبارة، وتدفع النص إلى مواجهة رأس الإبرة.
ومن دون هذه القوة، سيبقى الشرخ في توسع دائم بيننا وبين من سبقونا. وسيبقى النص ممتداً بلا مقاومة، وبلا قسوة ضرورية.
الخلاصة
في المحصلة، لا تعني ضرورة المحرِّر مصادرة الكاتب أو الحلول مكانه. بل تعني إنقاذ النص من الزوائد التي تمنعه من الوقوف.
فالمحرِّر ليس كاتباً بديلاً، ولا سلطة خارجية فقط. إنه قارئ مثالي، وخلايا ضغط داخلية، وضرورة جمالية للنص.
وعندما يحافظ على حدوده، يصبح أقرب إلى طاقة تهذيب ووعي. أما حين يطرد الأصل ويستعمر مكانه، فيتحول إلى خلية سرطانية.
لذلك، يحتاج الأدب إلى المحرِّر كما يحتاج إلى الكاتب. يحتاج إلى الحرية، كما يحتاج إلى القوة التي تختبر هذه الحرية.


