يمكن توضيح علاقة المثقف بالمجتمع في ان :
– المجتمع يشاهد ويسمع اكثر مما يقرأ. والمثقف يقرأ كما يشاهد ويسمع .
– المجتمع سريع التأثر بطيء التغيّر .
– موقف المجتمع انفعالي عاطفي ، بينما موقف المثقف تأملي موضوعي .
– المجتمع عادة لا يستجيب لمثقف لا يخضع لجوه العام مهما كانت فكرة المثقف قوية نافعة ومهما كان عطاؤه ثراً .
– المثقف المستقل هو مثقف مغمور عادة ، مهما كان مبدعاً ، بينما المثقف المنتمي مثقف مشهور مهما كان عادياً ، لأن القوة التي ينتمي اليها تهيء له أسباب الشهرة التي يفتقر اليها المثقف المبدع المستقل .
– روح المجتمع اقوى من روح الفرد ، لذا لابد للمثقف من ان يحمل روح المجتمع في عطائه الفكري ، ليس بالشكل الذي يُخضع فيه تفكيره لروح المجتمع ، ولكن بالشكل الذي يتمكن فيه من تطويع روح المجتمع لقبول أفكاره .
- العلاقة بين المثقف والمجتمع تحتاج الى مشروع قادر على تمكين المجتمع ثقافياً ، فإذا أخذنا في نظر الاعتبار ان حوالي مليوني عنوان كتاب تصدر حول العالم سنوياً ، فإننا مسؤولون عن إيجاد منطقة عمل مشتركة بين المثقف والمجتمع ، يتم فيها تحويل قلق واستنفار المجتمع الى هدوء في جو تقني يساعد على تحصين روح المجتمع ضد الانهيار المراد له . تظهر هذه المنطقة بعيداً عن ثنائية الانعزال والمواجهة ، لأن الانعزال يؤدي الى شلل ابداعي ، والمواجهة تؤدي الى موت سريع . لذا نحن بحاجة الى مسار ثالث ننجح فيه في تمكين المجتمع ثقافياً فالمشكلة ليست في وجود او عدم وجود قدرة في المجتمع على العمل الجمعي ، لكن المشكلة في طبيعة هذه القدرة ، فمن خلال مواقف عديدة اثبت المجتمع ان لديه قدرة على العمل الجمعي . المشكلة هي ان المجتمع يفتقر الى مشروع او قوة تمنحه الاستمرارية في العمل الجمعي ، وينبغي ان لا يفوتنا ان كثرة الأزمات في المجتمع العراقي تسببت في إرهاق الوعي الجمعي ، او عززت غريزة الأنا في الفرد بحيث أصبحت ( أنا شعليه ) عكازة يتعكز عليها كثير من الناس عندما يرى موقفاً او حالة تستنفره . عندما تصبح الأزمة شأناً حياتياً متكرراً في حياة الناس ، فإنهم سيتوقفون عن التفكير بالمشاريع الكبيرة كالتغيير والنهضة والثورة . لأنهم سينكفئون على تأمين الخبز وغاز الطبخ . مع كل هذا نعلم جيداً انه لم يولد مشروع نهضة في منطقة راحة في حياة أي مجتمع ، لذا يمكننا ان نضع الخطوات الرئيسة لمشروعنا ” تمكين المجتمع ثقافياً” كما يلي :
– المطالبة بفصل الثقافة كمؤسسة دولة عن سياسة الأنظمة الحاكمة في البلاد بجعل الثقافة وزارة مستقلة شأنها شأن القضاء ومفوضية الانتخابات ، وكنت قد كتبت في ذلك من قبل .
– اعتماد الفهم الانثروبولوجي للثقافة ، حيث علاقة المجتمع بالثقافة علاقة متواصلة متزامنة ، فلا يفهم المجتمع بعيداً عن حضور الثقافة لدراسة طريقة حياة الناس لتطويرها . ولا تفهم الثقافة بعيداً عن دور المجتمع في التفاعل معها .
– انشاء قاعدة عمل جماعية تعتني بالثقافة الشعبية وتعمل على تغذيتها بثقافة نخبوية من خلال الاعلام والتعليم التدريجي وصولاً الى مرحلة التمكن الثقافي .
– تطبيق عملي لمشروع تمكين المجتمع ثقافياً حيث ينتقل الفرد من مرحلة الوعي التلقائي الى مرحلة الوعي الموضوعي ، وهي مرحلة يمكن ان نطلق عليها ” إعادة ضبط المصنع” للعلاقة بين الدولة والمجتمع . عند ذاك سيتمكن المجتمع كمثقف ومواطن عادي من اتخاذ مواقف واضحة وخطوات عملية فيها من الجرأة ما يصدم ارباب صناعة الازمات في البلاد .
– السياسة بلا ثقافة تؤدي الى إعادة تدوير الوجوه والاسماء والكيانات مع بقاء العقلية السياسية ذاتها في السلطة وهو وباء خطير يجمد حركة المجتمع ويمنع نموه . والثقافة بلا سياسة ليست سوى أفكار محبوسة في عقول أصحابها او في كتاباتهم وكتبهم ، لا تجد من يترجمها الى واقع معاش .
– صياغة دستور قائم على الاستقراء اليقيني لطبيعة حياة المجتمع ، لقد كشفت سياسات الأنظمة الحاكمة طيلة عقدين من الزمن ان العقل السياسي العراقي لا يفهم طبيعة الشخصية العراقية وطبيعة المجتمع العراقي فهماً عميقاً .
– التعافي التدريجي ، يبدأ عندما يشعر المواطن ان الحكومة صديقة للشعب ، وليست مسلطة عليه . يتحقق هذا عندما يعمل الدستور لصالح ادق تفاصيل حياة الفرد والمجتمع .
– احداث تنسيق عالي المستوى بين المثقف الموضوعي والسياسي النزيه والمواطن المسؤول والعسكري الوطني .
– تحويل التظاهرات من مجرد أداة ضغط شعبيي عفوي ، الى أداة ضغط وحصاد في الوقت ذاته ، فقد تبين من خلال تظاهرات كثيرة ان المجتمع نجح في تظاهراته بالضغط على مصادر القرار ، لكنه لا يزال لحد الان لا يعرف كيف يحصد نتائج تلك التظاهرات ، بدليل ان كل التظاهرات انتهت لصالح ترقيعات السلطة او انقضاض قوى أخرى على المشهد لا تخدم اهداف التظاهرة .
– بدون أي غطاء ثقافي وفلسفي تبدو أي محاولة تغيير او أي تظاهرة وكأنها مجرد مطالب شخصية او صراع على المناصب والمكاسب ، المثقف خير من يصوغ هذا الغطاء حيث هوية جديدة تتجاوز الطائفية والحزبية والفئوية وتقدم مشروع تمكين المجتمع ثقافياً كمشروع قابل للتحقق وليس كنشاط ثقافي ينتهي بـعبارة ( شكراً للأستاذ المحاضر – شكراً للباحث ..).
تتولى النخب السياسية المثقفة هندسة المؤسسات الحكومية عبر ثنائية الخبرة والرؤية ، بحيث لا يغدو العمل الثقافي نشاطاً تكميلياً تجميلياً كما هو اليوم ، بل يصبح برامج عمل حقيقية في مؤسسات رقابية غير روتينية .
– النخب العسكرية المثقفة بإيمانها ان القوة الأمنية والقوة العسكرية هي قوة الشعب التي تستمد منها السلطة قوتها وليست قوة السلطة التي على الشعب ان يخضع لها ، هذه النخب هي صمام أمان نجاح مشروع تمكين المجتمع ثقافياً .
– التغيير الإيجابي لا يحتاج الى قوة خارجية او قوة خارقة او معجزة ، بقدر ما يحتاج الى تنسيق ثلاثي بين الفكرة والتنفيذ والأمل .
– عندما يصبح الخوف من انهيار الدولة اكبر من الخوف من تداعيات تفاهة السلطة ، تنطلق شرارة البداية .
– واخيراً ، مهما تعاظم نفوذ السلطة السياسية ، فإنها في لحظة ما تأكل نفسها من الداخل ، وملامح هذه اللحظة واضحة من خلال سوء إدارة البلاد وتخبط قرارات السلطة وامعانها في استنزاف المواطن مالياً .


