علاقة المثقف بالمجتمع ومشروع تمكين المجتمع ثقافياً..المجتمع العراقي انموذجاً

علاقة المثقف بالمجتمع ومشروع تمكين المجتمع ثقافياً..المجتمع العراقي انموذجاً
تبحث الرؤية علاقة المثقف بالمجتمع العراقي، وتقترح مشروعاً للتمكين الثقافي يقوم على استقلال المؤسسة الثقافية، والفهم الأنثروبولوجي للثقافة، وتعزيز الوعي الجمعي، وربط الفكر بالتنفيذ، وتنسيق أدوار المثقف والسياسي والمواطن والمؤسسات لبناء تغيير اجتماعي مستدام...

يمكن توضيح علاقة المثقف بالمجتمع في ان :

– المجتمع يشاهد ويسمع اكثر مما يقرأ. والمثقف يقرأ كما يشاهد ويسمع .

– المجتمع سريع التأثر بطيء التغيّر .

– موقف المجتمع انفعالي عاطفي ، بينما موقف المثقف تأملي موضوعي .

– المجتمع عادة لا يستجيب لمثقف لا يخضع لجوه العام مهما كانت فكرة المثقف قوية نافعة ومهما كان عطاؤه ثراً .

– المثقف المستقل هو مثقف مغمور عادة ، مهما كان مبدعاً ، بينما المثقف المنتمي مثقف مشهور مهما كان عادياً ، لأن القوة التي ينتمي اليها تهيء له أسباب الشهرة التي يفتقر اليها المثقف المبدع المستقل .

– روح المجتمع اقوى من روح الفرد ، لذا لابد للمثقف من ان يحمل روح المجتمع في عطائه الفكري ، ليس بالشكل الذي يُخضع فيه تفكيره لروح المجتمع ، ولكن بالشكل الذي يتمكن فيه من تطويع روح المجتمع لقبول أفكاره .

  • العلاقة بين المثقف والمجتمع تحتاج الى مشروع قادر على تمكين المجتمع ثقافياً ، فإذا أخذنا في نظر الاعتبار ان حوالي مليوني عنوان كتاب تصدر حول العالم سنوياً ، فإننا مسؤولون عن إيجاد منطقة عمل مشتركة بين المثقف والمجتمع ، يتم فيها تحويل قلق واستنفار المجتمع الى هدوء في جو تقني يساعد على تحصين روح المجتمع ضد الانهيار المراد له . تظهر هذه المنطقة بعيداً عن ثنائية الانعزال والمواجهة ، لأن الانعزال يؤدي الى شلل ابداعي ، والمواجهة تؤدي الى موت سريع . لذا نحن بحاجة الى مسار ثالث ننجح فيه في تمكين المجتمع ثقافياً فالمشكلة ليست في وجود او عدم وجود قدرة في المجتمع على العمل الجمعي ، لكن المشكلة في طبيعة هذه القدرة ، فمن خلال مواقف عديدة اثبت المجتمع ان لديه قدرة على العمل الجمعي . المشكلة هي ان المجتمع يفتقر الى مشروع او قوة تمنحه الاستمرارية في العمل الجمعي ، وينبغي ان لا يفوتنا ان كثرة الأزمات في المجتمع العراقي تسببت في إرهاق الوعي الجمعي ، او عززت غريزة الأنا في الفرد بحيث أصبحت ( أنا شعليه ) عكازة يتعكز عليها كثير من الناس عندما يرى موقفاً او حالة تستنفره . عندما تصبح الأزمة شأناً حياتياً متكرراً في حياة الناس ، فإنهم سيتوقفون عن التفكير بالمشاريع الكبيرة كالتغيير والنهضة والثورة . لأنهم سينكفئون على تأمين الخبز وغاز الطبخ . مع كل هذا نعلم جيداً انه لم يولد مشروع نهضة في منطقة راحة في حياة أي مجتمع ، لذا يمكننا ان نضع الخطوات الرئيسة لمشروعنا ” تمكين المجتمع ثقافياً” كما يلي :

– المطالبة بفصل الثقافة كمؤسسة دولة عن سياسة الأنظمة الحاكمة في البلاد بجعل الثقافة وزارة مستقلة شأنها شأن القضاء ومفوضية الانتخابات ، وكنت قد كتبت في ذلك من قبل .

– اعتماد الفهم الانثروبولوجي للثقافة ، حيث علاقة المجتمع بالثقافة علاقة متواصلة متزامنة ، فلا يفهم المجتمع بعيداً عن حضور الثقافة لدراسة طريقة حياة الناس  لتطويرها . ولا تفهم الثقافة بعيداً عن دور المجتمع في التفاعل معها .

–  انشاء قاعدة عمل جماعية تعتني بالثقافة الشعبية وتعمل على تغذيتها بثقافة نخبوية من خلال الاعلام والتعليم التدريجي وصولاً الى مرحلة التمكن الثقافي .

– تطبيق عملي لمشروع تمكين المجتمع ثقافياً حيث ينتقل الفرد من مرحلة الوعي التلقائي الى مرحلة الوعي الموضوعي ، وهي مرحلة يمكن ان نطلق عليها ” إعادة ضبط المصنع” للعلاقة بين الدولة والمجتمع . عند ذاك سيتمكن المجتمع كمثقف ومواطن عادي من اتخاذ مواقف واضحة وخطوات عملية فيها من الجرأة ما يصدم ارباب صناعة الازمات في البلاد .

– السياسة بلا ثقافة تؤدي الى إعادة تدوير الوجوه والاسماء والكيانات مع بقاء العقلية السياسية ذاتها في السلطة وهو وباء خطير يجمد حركة المجتمع ويمنع نموه . والثقافة بلا سياسة ليست سوى أفكار محبوسة في عقول أصحابها او في كتاباتهم وكتبهم ، لا تجد من يترجمها الى واقع معاش .

– صياغة دستور قائم على الاستقراء اليقيني لطبيعة حياة المجتمع ، لقد كشفت سياسات الأنظمة الحاكمة طيلة عقدين من الزمن ان العقل السياسي العراقي لا يفهم طبيعة الشخصية العراقية وطبيعة المجتمع العراقي فهماً عميقاً .

– التعافي التدريجي ، يبدأ عندما يشعر المواطن ان الحكومة صديقة للشعب ، وليست مسلطة عليه . يتحقق هذا عندما يعمل الدستور لصالح ادق تفاصيل حياة الفرد والمجتمع .

– احداث تنسيق عالي المستوى بين المثقف الموضوعي والسياسي النزيه والمواطن المسؤول والعسكري الوطني .

– تحويل التظاهرات من مجرد أداة ضغط شعبيي عفوي ، الى أداة ضغط وحصاد في الوقت ذاته ، فقد تبين من خلال تظاهرات كثيرة ان المجتمع نجح في تظاهراته بالضغط على مصادر القرار ، لكنه لا يزال لحد الان لا يعرف كيف يحصد نتائج تلك التظاهرات ، بدليل ان كل التظاهرات انتهت لصالح ترقيعات السلطة او انقضاض قوى أخرى على المشهد لا تخدم اهداف التظاهرة .

– بدون أي غطاء ثقافي وفلسفي تبدو أي محاولة تغيير او أي تظاهرة وكأنها مجرد مطالب شخصية او صراع على المناصب والمكاسب ، المثقف خير من يصوغ هذا الغطاء حيث هوية جديدة تتجاوز الطائفية والحزبية والفئوية وتقدم مشروع تمكين المجتمع ثقافياً كمشروع قابل للتحقق وليس كنشاط ثقافي ينتهي بـعبارة ( شكراً للأستاذ المحاضر – شكراً للباحث ..).

تتولى النخب السياسية المثقفة هندسة المؤسسات الحكومية عبر ثنائية الخبرة والرؤية ، بحيث لا يغدو العمل الثقافي نشاطاً تكميلياً تجميلياً كما هو اليوم ، بل يصبح برامج عمل حقيقية في مؤسسات رقابية غير روتينية .

– النخب العسكرية المثقفة بإيمانها ان القوة الأمنية والقوة العسكرية هي قوة الشعب التي تستمد منها السلطة قوتها وليست قوة السلطة التي على الشعب ان يخضع لها ، هذه النخب هي صمام أمان نجاح مشروع  تمكين المجتمع ثقافياً .

– التغيير الإيجابي لا يحتاج الى قوة خارجية او قوة خارقة او معجزة ، بقدر ما يحتاج الى تنسيق ثلاثي بين الفكرة والتنفيذ والأمل .

– عندما يصبح الخوف من انهيار الدولة اكبر من الخوف من تداعيات تفاهة السلطة ، تنطلق شرارة البداية .

– واخيراً ، مهما تعاظم نفوذ السلطة السياسية ، فإنها في لحظة ما تأكل نفسها من الداخل ، وملامح هذه اللحظة واضحة من خلال سوء إدارة البلاد وتخبط قرارات السلطة وامعانها في استنزاف المواطن مالياً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *