طقوس في الكتابة الروائية

طقوس في الكتابة الروائية
تبحث الكتابة الروائية بوصفها طقساً إبداعياً تتداخل فيه الحالات النفسية والفكرية والاجتماعية للكاتب، مع تحليل استقلال النص ودور القارئ في إنتاج المعنى، وتحول الرواية إلى جنس سردي متعدّد الأصوات والتقنيات يعكس تعقيدات التجربة الإنسانية...

تعدُّ الكتابةُ الروائيةُ، ممارسةٌ سردطقسية، لنشاطٍ (لغوشاري)ذهني خيالي انساني، وثقافي معرفي، وموصّل تعبيري توثيقي، نفسي اجتماعي قبلَ كل شيء لدى كثير من الكتّاب، ومِن هذا المنطلق كان سببُ كتابتنا لهذا المقال الادبي، حينما التقطنا بعضَ الاشارات، التي تدلُّ على وجود طقوسٍ لكل كاتبٍ، يمارسها قبلَ الكتابة. والطقس –هنا- نعني به مرّة الظرف الزمكاني، ومرّة أخرى الحالة الاجتماعية والنفسية والفكرية/ الذهنية، التي تجتمع في لحظات الولادة العسيرة للكتابة الروائية عند كل كاتب، طقسٌ بوحي ايحائي ولادي لا يأتي او لا يمرّ بها ايُّ انسانٍ خارج الموهبة والامكان والادراك، والتخيّل، والتذكّر، والتفنّن، والتصوّر، والترتيب، والتنظيم، والتشفير..؛ لأ دراك الانسان ذات اللحظة الشعورية، التي تكتنفه للكشف عن الوجود الذي بداخله وخارجه.

نسعى الى قراءة جادة تتناول ما يخصُّ طقوسَ الكتابة السردية، وعاداتها السرّية، وانعكاساتها النفسية والفكرية، والاجتماعية على كبار الكتّاب العالميين، مِن أجل كسر الرتابة والتقليد، بغية اثارة الصدمة والتشويق لدى القارئ الكريم في منهجٍ اشبه بالسرد المعرفي والثقافي، كما تحاول  الابتعاد عن  القوالب الجامدة والجاهزة، اذ اننا نعوّل على فراسة القارئ وادواته المعرفية، عِبرَ مجسّات قرائيةِ جمالية معرفية تأويليةِ، تعيدُ انتاجه على وفقِ أفقٍ يُسهم في صناعة معنى آخر ضمن فرضية تعدد المعاني في النص الواحد غاب عن قصدية المؤلف –مثلا- او بقصدية منه، لجسّ نبض القرّاءة وحبس انفاسهم في اللحظات، التي يتوقف فيها الفَهم قليلا، لاستيعاب الظواهر اللغوية والغوامض الفكرية المعقدة في النّص. وبهذا يصبحُ القارئ عنصرا مشارِكا وفاعِلا في خَلق نصٍ أخر مجترح من النّص الأم او قد يتجاوزه، ليتحقق هدف مرسل النّص . فالنّصُّ الروائي لا يُفصح –مباشرة- عن نفسه او لا يسلّم مفاتيحه مقدَما، فهو مُلكُ القارئ بعد اطلاقه في الفضاء -كما يرى بارت – حينَ لا يكون فهمُه عاجِزاً عن فكّ شفرته. فالمؤلفُ لا يموت كما يرى البنيويون، بل قد يعتزلُ الكتابة مؤقتا، ليراقبَ مِن بعيدٍ ما أحدثهُ النّص مِن تأثيرٍ على المتلقي ونوعه.

قراءة، تتضمَّن عدّة تعريفاتٍ وتوصيفات وتأويلات، لمفاهيم ومواقفٍ وحواراتٍ لكتّابٍ روائيين كبار غربيين، وشرقيين وعربٍ، في لحظات نراها طقوسيةً في الكتابة الروائية، تستُخلِصت مِن عدّة كتب تعنى بالرّواية، تكون ثيمتُه الرئيسة التركيزَ على ماهية الكتابة الروائية -كممارسة ونشاط لغوشاري- طقسي– وتقاناتها الحديثة. فالكتابةُ الروائية اشبه بعملية مخاض وصراع عسير، وحالة تشكّل و تطورٍ وانشطار مستمر، مادامت هناك نواةُ مرآةٍ عاكسةٍ لحياة الشعوب، وتطورها في كل تفاصيلها، فتمثّلت شكلاً اخطبوطيا معرفيا ابداعيا زئبقيا، شلَّ توسعية وايديولوجية وهُوية الخطابات السلطوية في معظم دول أوربا وامريكا اللاتينية، وبعض الدول الاسيوية والعربية، فهي كائنٌ وكيانٌ هلامي زئبقي، يعيشُ في حالة صيرورةٍ وحركةٍ دائمةٍ ودائبة، مفعمة بالنشاط والتجدد والطموح، والحيوية، والابدية، وهي صوتُ الشعب وضميره الحي في الأدب الملتزم او التحرري الثوري، بكل ما تعنيه كلمة الثورة ونوعها-عِبرَ مجسّات وتقانات، ووسائل الاقناع، والتقنّع ،والابداع، والابتداع، والتّشويق والتسويق، والاثارة والاستعارة، والتوتّر والتوقّع، والمقاربة والمفارقة، والتلّون والتمّثل، وكسر الرتابة ببث الدعابة او السؤال والمساءلة، والتجدد، والتمرد على النمطية والقدسية الوضعية والخلق والاختلاق، والكبوت والاختراق، والتجلي والخفاء، والتفكيك والتركيب، والتحول والثبات، والقفز واللعب في عناصر بناء الرّواية، لكسر القوالب الجامدة، بتعدد وتلون الاصوات والازمان والاماكن، والمستويات والرؤى، بالحذف والاستباق، والاسترجاع، والوصف والقناع، والافتتاح، والتصوير  والتبيئر والرؤية .. في كتابة جديدة سحرية، بوليفونية او فنتازية او عجائبية . فهي تخلقُ ذاتها منذ العصور والقرون الاولى من رحِم التاريخ البشري الشعبي، دون كللٍ او مللٍ او وهنٍ او وهم، متخطّية كلَّ الحواجز والمعوقات، والتشكيكات والتابوهات، والجنسيات الكتابية الأخرى، التي حاولت أن تُعيق مسيرتها التعبيرية، ورسالتها الاجتماعية الثورية. فهي جنسٌ متعددُ الانواع والعناصر  والتقانات والاليات، والادوات والاشتغالات والرؤى، دائم التغيير والتوقع،والكسر والاحتمال، والانفتاح، والتجدد، يُعبّر عن الحياة الانسانية بكلِّ تفاصيلها السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والدينية، والفلسفية والعلمية، والمعرفية والثقافية..، ويترجم لواقع الانسان الدرامي عِبرَ قرون. عدسةُ كاميرا توثّيقة، ومرآةٌ عاكسة لصراع الانسان مع الطبيعة او الانسان في الوجود .تشكل العنوانات فيها علامات سيميائية تواصلية دالة مختصرة للمتون بإيحاء ما، تشكّلُ مفاتيحا لولوج الفضاءات المغلقة للمتون او النُّصوص، التي نود فكَّ شفراتها العصيّة بقراءة معرفية فاحصة وواعية، علينا أن ندرك منذ توجيه كاشف قراءتنا على العنوان، اننا نقف على نافذة  فضاء عالمي، تتداخل فيه العوالم والاجناس الأدبية النثرية واللسانية -كخطابات روائية – ، وتلتف مكوناته على بعضها بعضا في الصراع الكوني الوجودي، وهي تُعبّر عن ذواتها عِبرَ بوح لاينضب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *