بينَ حكمةِ العقلِ ونورِ القلب التصوُّفُ بوصفِهِ فلسفةَ الرُّوح

بينَ حكمةِ العقلِ ونورِ القلب التصوُّفُ بوصفِهِ فلسفةَ الرُّوح
التصوف فلسفة الروح لا هروباً من العالم. العقل وحده لا يكفي. ذكر الله وتزكية النفس ومعرفة الذات طريق السلام الداخلي. الإنسان المعاصر يعيش فراغاً وجودياً والحل في القلب لا المادة....

في زمنٍ صارَ الإنسانُ فيهِ يعرفُ كلَّ شيءٍ عن العالمِ، ويكادُ يجهلُ نفسَهُ، تعودُ الأسئلةُ القديمةُ لتقفَ أمامَنا من جديدٍ

من نحنُ حقًّا

وهل خُلِقَ الإنسانُ ليعيشَ داخلَ جسدٍ فقط، أم أنَّهُ كائنٌ يحملُ سرًّا أعمقَ من المادةِ والزمنِ

منذُ البداياتِ الأولى للحضاراتِ، ظلَّ الإنسانُ يبحثُ عن المعنى. لم يكنِ الفلاسفةُ والمتصوِّفةُ مجرَّدَ أصحابِ أفكارٍ، بل كانوا رحّالةً في المجهولِ الداخليِّ، يحاولونَ اكتشافَ تلكَ الشعلةِ المختبئةِ خلفَ الجسدِ والعقلِ واللغةِ.

ولهذا لم تكنِ الفلسفةُ الروحيَّةُ ترفًا فكريًّا، بل محاولةً لفهمِ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والوجودِ، بينَ العقلِ والنورِ، بينَ السؤالِ والحقيقةِ.

لقد رأى أفلاطون أنَّ المعرفةَ ليست اكتسابًا خالصًا، بل تذكُّرٌ لما عرفتهُ الروحُ قبلَ هبوطِها إلى العالمِ. وكأنَّ الإنسانَ يحملُ في أعماقِهِ ذاكرةً قديمةً للحقِّ والجمالِ. أمَّا أفلوطين فقد تحدَّثَ عن الفيضِ الإلهيِّ، حيثُ يصدرُ الوجودُ كلُّهُ عن الواحدِ، وتبقى النفسُ مشدودةً إلى أصلِها الأوَّلِ.

الغريبُ إلى وطنِهِ البعيدِ.

وفي الفلسفةِ الإسلاميَّةِ نجدُ عندَ صدر الدين الشيرازي رؤيةً تجعلُ النفسَ في حركةٍ دائمةٍ نحوَ الكمالِ، وكأنَّ الإنسانَ مشروعُ صعودٍ لا ينتهي.

غيرَ أنَّ الفلسفةَ وحدَها لا تكفي دائمًا. فالعقلُ ـ مهما اتَّسعَ ـ يبقى محدودًا أمامَ أسرارِ الروحِ. ومن هنا جاءَ التصوُّفُ لا ليُلغي الفكرَ، بل ليمنحَهُ قلبًا. التصوُّفُ ليسَ هروبًا من العالمِ كما يتوهَّمُ البعضُ، بل عودةٌ إلى الجوهرِ. إنَّهُ محاولةٌ لتنظيفِ الداخلِ من الضجيجِ، حتى يصبحَ القلبُ قادرًا على الرؤيةِ. ولهذا انتقلَ أبو حامد الغزالي من الجدلِ العقليِّ إلى الذوقِ الروحيِّ، بعدَ أن أدركَ أنَّ اليقينَ لا يُنالُ بالبرهانِ وحدَهُ، بل بالتجربةِ والمعايشةِ. أمَّا محيي الدين ابن عربي فقد رأى الإنسانَ الكاملَ مرآةً للأسماءِ الإلهيَّةِ، وأنَّ الوجودَ كلَّهُ تجلٍّ للحقيقةِ الكبرى. وكانَ يقولُ:

لقد صارَ قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ

وكأنَّهُ يدعو الإنسانَ إلى أن يتَّسعَ بالمحبَّةِ حتى يصبحَ أفقًا لا جدارًا.

ولعلَّ القرآنَ الكريمَ قد وضعَ الأساسَ الأعمقَ لهذا البعدِ الروحيِّ حينَ قالَ تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ففي هذهِ الآيةِ يرتفعُ الإنسانُ من مجرَّدِ كائنٍ ترابيٍّ إلى حاملٍ لنفحةٍ سماويَّةٍ.

ويقولُ تعالى :﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فالطمأنينةُ هنا ليست راحةً نفسيَّةً عابرةً، بل حالةُ انسجامٍ بينَ الروحِ ومصدرِها.

وفي قولهِ تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

يتجلَّى المعنى الجوهريُّ للتصوُّفِ الحقيقيِّ، بوصفِهِ رحلةَ تهذيبٍ لا استعراضًا للكراماتِ أو الطقوسِ.

وحينَ نصلُ إلى كلماتِ الإمامِ علي بن أبي طالب نشعرُ أنَّ الحكمةَ بلغتْ ذروةَ صفائِها. يقولُ :دواؤُكَ فيكَ وما تشعرُ، وداؤُكَ منك وما تُبصِرُ.”

ويقولُ أيضًا : من عرفَ نفسَهُ فقد عرفَ ربَّهُ.”

هذهِ ليستْ أقوالًا وعظيَّةً فقط، بل رؤيةٌ فلسفيَّةٌ وروحيَّةٌ ترى أنَّ الإنسانَ يحملُ مفاتيحَ خلاصِهِ في داخلِهِ، وأنَّ أعظمَ الرحلاتِ ليستْ تلكَ التي تعبرُ القاراتِ، بل التي تعبرُ أعماقَ النفسِ.

لكنَّ الإنسانَ المعاصرَ، رغمَ كلِّ هذا التقدُّمِ التقنيِّ، ما يزالُ يعيشُ قلقًا داخليًّا هائلًا. لقد امتلأتِ الحياةُ بالوسائلِ، وافتقرتْ إلى الغاياتِ. ولهذا تحدَّثَ فيكتور فرانكل عن “الفراغِ الوجوديِّ” الذي يُصيبُ الإنسانَ حينَ يفقدُ المعنى، مؤكدًا أنَّ الإنسانَ يستطيعُ احتمالَ الألمِ إذا اكتشفَ لماذا يعيشُ.

كما رأى إريك فروم أنَّ الإنسانَ الحديثَ أصبحَ يملكُ أشياءَ أكثرَ، لكنَّهُ يشعرُ بأنَّهُ أقلُّ امتلاءً من الداخلِ، لأنَّ الحضارةَ اهتمَّتْ بما يملكهُ الإنسانُ، لا بما يكونهُ.

ومن المثيرِ أنَّ الفلسفةَ الغربيَّةَ الحديثةَ، رغمَ اعتمادِها الطويلِ على العقلانيَّةِ الصارمةِ، عادتْ لتبحثَ عن البعدِ الروحيِّ بوصفِهِ ضرورةً لا ترفًا. فقد رأى كارل يونغ أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ الشفاءَ الكاملَ ما لم يُصالحْ روحَهُ، وأنَّ الأزماتِ النفسيَّةَ كثيرًا ما تكونُ نتيجةَ انقطاعِ الإنسانِ عن عمقِهِ الداخليِّ.

أمَّا مارتن هايدغر فقد تحدَّثَ عن اغترابِ الإنسانِ الحديثِ داخلَ عالمٍ سريعٍ ومادّيٍّ، حتى أصبحَ الفردُ يعيشُ بعيدًا عن حقيقتِهِ الأصيلةِ. وكأنَّ الفلسفةَ الحديثةَ، بعدَ قرونٍ من تمجيدِ العقلِ،

ولهذا لم يكنِ التصوُّفُ الإسلاميُّ غريبًا عن الأسئلةِ الوجوديَّةِ الكبرى، بل سبقَ كثيرًا من الفلسفاتِ الحديثةِ في الحديثِ عن قلقِ الإنسانِ ووحدتِهِ واغترابِهِ الداخليِّ.

كما أنَّ الصمتَ والخلوةَ والتأمُّلَ لم تكنْ عندَ المتصوِّفةِ انسحابًا من الحياةِ، بل وسيلةً لرؤيةِ الحياةِ بوضوحٍ أكبرَ. فالضجيجُ الخارجيُّ كثيرًا ما يمنعُ الإنسانَ من سماعِ صوتِهِ الداخليِّ. ولهذا جاءَ في الأثرِ عن الإمامِ علي بن أبي طالب

“لا عبادةَ كالتفكُّرِ.”

وفي القرآنِ الكريمِ إشاراتٌ متكرّرةٌ إلى قيمةِ التأمُّلِ والصمتِ الداخليِّ، كما في قولهِ تعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالتفكُّرُ هنا ليس نشاطًا ذهنيًّا مجرَّدًا، بل عبورٌ من ظاهرِ الأشياءِ إلى معناها العميقِ.

ومن هنا يصبحُ الأدبُ أيضًا طريقًا روحيًّا، لا مجرَّدَ فنٍّ لغويٍّ. فالكلمةُ الحقيقيَّةُ لا تُكتَبُ بالحبرِ وحدَهُ، بل بما يتركهُ الوجعُ والتأمُّلُ في الروحِ. ولهذا قالَ جبران خليل جبران ؛

”الشعرُ حكمةٌ تُغنّي.”

وكانَ جلال الدين الرومي يرى أنَّ الكلماتِ لي بقيَ الأدبُ الحقيقيُّ قريبًا من التصوُّفِ، لأنَّ كليهما يحاولُ الوصولَ إلى الإنسانِ من الداخلِ، لا من السطحِ. ولهذا فإنَّ الفلسفةَ الروحيَّةَ والتصوُّفَ يلتقيانِ في نقطةٍ جوهريَّةٍ كلاهما يحاولُ إنقاذَ الإنسانِ من التحوُّلِ إلى آلةٍ بلا روحٍ.

إنَّ العالمَ اليومَ يملكُ وفرةً في المعلوماتِ، لكنَّهُ يعاني مجاعةً في المعنى. ولهذا تبدو الحاجةُ إلى الروحِ أشدَّ من أيِّ وقتٍ مضى.

فالإنسانُ ليسَ رقمًا في سجلِّ الحياةِ، ولا جسدًا ينتظرُ نهايتَهُ فقط، بل كائنٌ يحملُ داخلهُ أثرَ السماءِ، ويسيرُ ـ منذُ ولادتِهِ ـ في رحلةِ عودةٍ طويلةٍ نحوَ نورِهِ الأوَّلِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *