وهم “صناعة الرجال”: تفكيك خطاب التجنيد الإلزامي

وهم صناعة الرجال تفكيك خطاب التجنيد الإلزامي
شعار «بناء الرجولة» بالتجنيد الإلزامي وهم. الرجولة تربية قيمية لا إكراه عسكري. التطوع أقوى من الإجبار. البدائل: مدرسة فاعلة ومجتمع حر لا ثكنات...

المقدمة:

يتكرّر في الجدل الدائر حول قانون التجنيد الإلزامي في العراق شعارٌ لافت: “بناء الرجولة”. يبدو هذا الشعار، للوهلة الأولى، مقنعًا ومشحونًا بالعاطفة، لكنه في جوهره يختزل مفهومًا إنسانيًا عميقًا في تجربة عسكرية محدودة، ويتجاهل أن الرجولة ليست نتاج الإكراه، بل ثمرة تربية طويلة وتراكم قيمي يبدأ منذ الطفولة.

الرجولة بين القيمة والتوظيف

الرجولة كقيمة إنسانية:

هي منظومة أخلاقية وسلوكية تُبنى تدريجيًا عبر الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتشمل المسؤولية، والصدق، واحترام الآخر، والقدرة على اتخاذ القرار، وتحمل تبعاته.

الرجولة في الخطاب السياسي:

غالبًا ما يُعاد تعريفها لتتطابق مع الطاعة والانضباط العسكري، وكأنها لا تتحقق إلا داخل المعسكرات. هذا التبسيط لا يُفرغ المفهوم من مضمونه فحسب، بل يحوّله إلى أداة توظيف سياسي تخدم سرديات السلطة أكثر مما تخدم بناء الإنسان.

إشكالية الإكراه

حين يُفرض التجنيد الإلزامي بأساليب قسرية، أو دون ضمانات حقيقية لكرامة الفرد، فإنه قد يُنتج آثارًا معاكسة لما يُروّج له:

  • تكريس الطاعة الشكلية بدل القناعة الواعية.
  • توليد شعور بالضغط أو الإذلال لدى الشباب.
  • إضعاف روح المبادرة والاستقلالية.

فالإنسان الذي يُجبر على الانضباط لا يتعلّم بالضرورة معنى المسؤولية، بل قد يتقن فقط فنّ الامتثال المؤقت.

الدافع الداخلي أقوى من الإكراه

قدّمت تجربة الحرب ضد تنظيم داعش عام 2014 مثالًا واضحًا على ذلك، حين اندفع  مئات آلاف الشباب العراقيين طوعًا استجابة لنداء الواجب. تركوا أعمالهم ودراستهم، وتوجّهوا إلى ساحات القتال بدافع الإيمان بالقضية، لا بفعل الإلزام.

هذا النموذج يبرهن أن الرجولة الحقيقية تنبع من الداخل، من وعي الفرد والتزامه، لا من نصّ قانوني يفرض عليه السلوك. فالانتماء الطوعي أكثر رسوخًا من الطاعة المفروضة، لأنه يستند إلى قناعة لا إلى خوف..

بدائل أعمق لبناء الإنسان

إذا كان الهدف هو بناء مواطن قوي ومسؤول، فثمة مسارات أكثر جدوى من الإكراه:

  • التربية القيمية المبكرة: حيث تُغرس أسس الشخصية في البيت والمدرسة.
  • العمل التطوعي والخدمة المجتمعية: لما لهما من دور في تعزيز الانتماء والمسؤولية الحرة.
  • التجارب الحياتية العملية: من دراسة وعمل وتحديات يومية، تُصقل الشخصية وتبني الثقة بالنفس والاستقلالية.

الخاتمة:

إن اختزال “الرجولة” في التجنيد الإلزامي لا يرفع من شأنها، بل يختزلها ويشوّه معناها. فبناء الإنسان عملية تراكمية عميقة، لا تُفرض بالأوامر ولا تُصنع في المعسكرات وحدها، بل تُبنى في بيئة حرة تُنمّي الوعي وتُعزز الاختيار.

الدولة التي تطمح إلى مواطن قوي لا تُخرّجه من ثكنة عسكرية فقط، بل تصنعه في مدرسة جيدة، وجامعة فاعلة، ومجتمع يتيح له أن يكون شريكًا بإرادته، لا تابعًا بإكراهه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *