لم تعد أزمة الحكم في العراق أزمة عابرة، بل أصبحت نتيجة مباشرة لخلل بنيوي في طريقة إنتاج السلطة، حيث أفرز النظام الانتخابي، مقروناً بتفسير ملتبس للمادة (76) من الدستور، حكومات توافقية ضعيفة لا تعبّر عن إرادة أغلبية واضحة، ولا تملك القدرة على الحسم أو المساءلة.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تنظيم العلاقة بين الناخب والسلطة التنفيذية، بحيث يعرف المواطن مسبقاً لمن يصوّت، ومن سيحكم باسمه إذا فاز، وما هو البرنامج الذي سيتبناه؛ أي الانتقال من ديمقراطية الشكل إلى ديمقراطية الفعل.
وفي هذا الإطار، يمكن طرح مقترح إصلاحي عملي، منسجم مع الاتجاه العام للدستور والقوانين النافذة، بوصفه إصلاحاً جزئياً ضرورياً يمهّد لانتقال أعمق نحو بناء الدولة الحضارية الحديثة.
يقوم هذا المقترح على أربع ركائز مترابطة:
أولاً: تقليل التشتت الحزبي عبر التحفيز لا المنع
لا يمكن تقييد عدد الأحزاب بشكل مباشر لمخالفته مبدأ التعددية السياسية، لكن يمكن تقليل التشتت فعلياً عبر أدوات قانونية مشروعة، مثل رفع العتبة الانتخابية، وتوسيع الدوائر، وتشجيع التحالفات المعلنة قبل الانتخابات؛ بما يؤدي عملياً إلى بروز عدد محدود من الكتل الكبرى القادرة على التنافس الحقيقي على الحكم.
ثانياً: ربط تشكيل الحكومة بالأغلبية المطلقة
يقتضي الإصلاح إعادة تعريف “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” لتكون الكتلة التي تمتلك أغلبية مطلقة (50+1) من أعضاء مجلس النواب، لا مجرد الكتلة الأكبر نسبياً؛ وبذلك يصبح مبدأ الحكم واضحاً: من يحصل على الأغلبية يحكم، ومن لا يحصل عليها يمارس دور المعارضة.
ثالثاً: حسم هوية رئيس مجلس الوزراء قبل الانتخابات
ضمن هذا التصور، يُعدّ رئيس الحزب أو التحالف الانتخابي الذي يحقق الأغلبية المطلقة مرشحاً تلقائياً لرئاسة مجلس الوزراء، ويُكلّف دستورياً بتشكيل الحكومة؛ وبذلك يعرف الناخب، عند الإدلاء بصوته، ليس فقط الجهة السياسية التي يدعمها، بل أيضاً رئيس الحكومة القادم، مما يعزز الشفافية ويجعل السلطة التنفيذية امتداداً مباشراً للإرادة الشعبية.
رابعاً: ربط التمثيل النيابي بالمسؤولية التنفيذية
لا يستقيم مبدأ التمثيل الشعبي إذا أُسندت السلطة التنفيذية إلى أشخاص لم ينالوا ثقة الناخبين؛ لذلك ينبغي أن يكون تشكيل مجلس الوزراء محصوراً بأعضاء مجلس النواب المنتخبين، بحيث لا يُستوزر أي شخص من خارج البرلمان؛ وبهذا تتحقق قاعدة واضحة: من ينال ثقة الشعب يتحمّل مسؤولية الحكم أمامه.
ويُستكمل هذا الإطار بإلزام الأحزاب والتحالفات بتقديم برامج حكومية معلنة ومفصلة قبل الانتخابات، تتضمن أهدافاً محددة وخطوات تنفيذية قابلة للقياس، ليكون التنافس قائماً على المشاريع لا على الأشخاص.
أما في حال عدم تحقق الأغلبية المطلقة، فيُعتمد مسار دستوري واضح: تُمنح الكتلة الأقرب إلى الأغلبية فرصة محددة لاستكمالها عبر تحالف معلن، وإذا تعذر ذلك، يتم اللجوء إلى انتخابات مبكرة خلال مدة زمنية مضبوطة، تُدار خلالها الدولة من قبل حكومة قائمة محدودة الصلاحيات.
إن هذا المقترح، رغم أهميته، يظل إصلاحاً جزئياً يعالج آلية إنتاج السلطة، لكنه لا يلامس الجذور العميقة للأزمة المرتبطة ببنية الدولة نفسها؛ فالإصلاح الشامل لا يتحقق إلا بالانتقال إلى نموذج الدولة الحضارية الحديثة، التي تقوم على إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدولة ضمن منظومة قيمية ومعرفية متكاملة.
ومع ذلك، فإن أهمية هذا المقترح تكمن في كونه خطوة واقعية ممكنة، تُخرج النظام السياسي من حالة التعطيل المزمن، وتضعه على مسار واضح نحو الاستقرار، تمهيداً للتحول الأكبر نحو بناء دولة قادرة، عادلة، ومسؤولة أمام شعبها.


