{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ}
المراكز الصيفية هي المحضن التربوي الذي يجمع بين جنباته أطفالاً هم زينة الحياة وزهرتها، وعماد الأمة في المستقبل وأساس نهضتها، وأمل الشعوب في استعادة مجدها وكرامتها؛ فهي مراكز يشع منها النور، ومناهل تسقي الطلاب فيها العلم والمعرفة.
أَلا حَبَّذا مراكز صيفٍ للعبقري ** يلوح بها النور في المشرقِ
ويا حَبَّذا منهلٌ للعلومِ ** يجود بفضل المعز القوي
أولاً: مكانة الطفل وأهمية المحضن التربوي
فالجميع يدرك ما لهذه المراكز من مكانة في المجتمع؛ باعتبار أن الأطفال الذين اتجهوا في عطلتهم الدراسية إلى المراكز الصيفية هم ريحانة القلوب، وهم بهجة النفوس التي طالما تتشوق قلوب العلماء لرؤيتهم وتعليمهم، وتنشرح الصدور لوجودهم في عطلتهم الدراسية في المراكز الصيفية، فتستبشر حينئذٍ أرواح المتقين من العلماء والمربين باستقبالهم.
فالطفل ينمو جسداً وروحاً وقلباً وعقلاً إذا نمت فيه هذه القوى نمواً متناسباً، وتربى على الفضيلة والخلق الحسن، وكان فخراً لقومه، وزينة لأهله، ونافعاً لمجتمعه ونفسه، وعنهم قلنا منذ زمن طويل:
عمر الطفولة نبتة الأزهارِ ** وزمان ودٍّ طيب الآثارِ
حيث الطفولة بالبراءة تبتدي ** أيامها بطهارة الأبرارِ
فترى الملائكة الصغار كأنهم ** دررٌ تشع بأجمل الأنوارِ
فنشيدهم يجلي الهموم سماعُه ** أنغامهم فاقت غنا القيثارِ
أُسّ الفضائل في بناءِ أجسامهم ** وأساس بنيتهم بناءُ الأفكارِ
ثانياً: شمولية البناء (بين المهارة والقيم)
إن أدب الطفل وتربيته تعني رعاية نموه في جوانبه الجسمية والعقلية والاجتماعية والدينية وتوجيهها نحو الإصلاح والوصول بها إلى الكمال؛ فإن هذه التربية تحتاج إلى تعليم وتدريب وإدراك المربي للغرض من تربيته للطفل.
ولا يقتصر دور هذه المراكز على التلقين، بل يمتد ليشمل مهارات الحياة؛ من دورات تقنية، وأنشطة زراعية، وابتكارات علمية، ومسابقات ثقافية تصقل الموهبة وتزرع الثقة. ولعل من أهم هذه الأغراض الحصول على العلم والمعرفة، والحصول على الرزق والسعة التي يسعد بها الإنسان في الدنيا والآخرة، والنهوض بالأخلاق من أجل إيجاد المواطن الصالح والمؤمن التقي. وليس ذلك بعسير؛ فالطفل خُلق ولديه كل المؤهلات التي تمكنه من النمو، وعمل المربي تكمن أهميته في أنه يهيئ الفرد ليكون إنساناً تقياً قوياً، فهو يطبع في ذهن الطفل بفن ومهارة ما ينفعه أو يضره.
ثالثاً: الهدي النبوي في بناء الجيل القوي
فقد كان الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- حريصاً على تنمية وبناء أجسام وعقول الأطفال لما في ذلك من الخير والنفع لهم، وبما يكسبهم القوة والفتوة، والبعد عن الكسل والخمول؛ ففي الحديث النبوي الذي رواه البيهقي عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: “حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا طيباً”. وفي رواية للترمذي: “لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع”. وفي رواية: “ما نحل والد ولداً من نحلٍ أفضل من أدبٍ حسن”.
ومن هنا يجب أن يدرك الجميع أن الإسلام أحدث انقلاباً من أجل إصلاح شؤون البشرية، سواء كان على مستوى السلوك أو التصور؛ فهو دين الفطرة الذي يدعو إلى توجيه الأبناء لمعرفة حقائق الحياة، ومعرفة أن الله وحده -جلت قدرته- هو الذي خلقه، وخلق له ما في الأرض جميعاً: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً}.
رابعاً: حماية الفطرة من غزو العصر
وفي الحديث النبوي: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”. والحديث يدل على أن الولد الصغير إذا تلقى الرشاد من والديه ومعلميه أصابه، فإن تلقى الغي اتخذه سبيله.
وفي زمننا هذا، تأتي المراكز الصيفية كدرعٍ واقٍ يحمي أبناءنا من مخاطر الفراغ القاتل، ومن الغزو الرقمي الذي تشنه الهواتف الذكية ومواقع التواصل، لتعيد الطفل إلى مجتمعه وواقعة بعيداً عن العزلة والضياع. فقد دل التتبع والاستقراء من قبل العلماء والباحثين على أن العلم في الصغر كالنقش على الحجر، وإنما التقويم للإنسان يكون في الصغر؛ ففلاح الإنسان وصلاحه ونجاحه مرهون بتعليمه ما يصلح شؤونه في الدنيا والآخرة.
فإذا وجهت مدارك الأبناء في المدارس والمراكز إلى توحيد الله وتعظيمه، وأن العزة لله الكبير المتعال، فإنها ستبنى في مدارك الأبناء العزة والحرية، وينتفض عن كاهل حاملها أي طاعة إلا طاعة الله. ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يشير إلى هذه الحرية، وإلى عدم الانقياد والتبعية إلا لأوامر الله: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل). فهو بحاجة إلى ما يقوي قلبه على الإيمان، حتى تنشرح نفسه فلا تؤثر فيه الثقافة الصهيونية التي تحاول جر أبنائنا إلى الرذيلة.
خامساً: رسالة إلى الآباء والمربين
فالعلم في مختلف المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية في الصغر أرسخ أصولاً وأبسق فروعاً. فمن جد في طلب العلم ظفر به، ومن سعى للعمل به انتفع به.
لذا؛ فالمسؤولية كبيرة على عاتق كل أب وأم لإلحاق فلذات أكبادهم بهذه الميادين، فهي الاستثمار الحقيقي لمستقبلهم. ففي ذلك نقول للآباء والمربين:
يا أيها الآباء إن صغاركم ** نور الحياة وآلة الإبصارِ
فإذا أردتم أن يكونوا أمةً ** تُعلي البناء في سائر الأمصارِ
فاسعوا إلى تعليمهم أُسّ البناء ** وأساس كل فضيلة وفخارِ
فالطفل إن لقي الرشاد سرى به ** نحو العلا في حكمة ووقارِ
وإذا تلقى الغي سار بنفسه ** نحو الضلال مواطن الأشرارِ
سادساً: قدرة الله وتجليات الإبداع في الطفولة
فالعقل يعجب للشروع فلا تكن ** في غفلة عن حكمة الجبّارِ
فسبحان من صور الأطفال في الأرحام، وجعل خلقهم آية تدل على بقاء نوع الإنسان؛ فالذي خلقه من طين قادر على بعثه بعد الممات يقيناً. وفي الذكر الحكيم: {يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}.
فَيَا حَبَّذا صِبيَةٌ كَالضُّحى ** تَجَلَّوا لَنا في رداءِ أبي
تَراهُم كَأَغصانِ زهرِ الرَّبيعِ ** تَميدُ بِنَفحِ الصِّبا الطَيِّبِ
يَخوضونَ في بَحرِ تِلْكَ العُلومِ ** خِياضَ الظِّمـاءِ إِلى المَشرَبِ
فَفي بَعضِها مَجْدُنا المُرْتَجى ** وَفي بَعضِها الفَخرُ لِليَعْرُبِ
وَفيها غَدٌ ضاحِكٌ لِلشُّعوبِ ** وَفيها جلاءُ الدُّجى الأَشهَبِ
فَمِنهُم زَعيمٌ يُقادُ الرِّجالُ ** إِلى هَدْيِ آرائِهِ الصُّـيَّبِ
وَمِنهُم أَديبٌ يُصوغُ القَريضَ ** به يتجلى الدجى الأشهب
رَعى اللهُ رَوْضاً نَمى غَرْسُهُم ** فجاد الزمان بشخصٍ أبي
فَهُم أَمَلُ الدَّارِ ذُخراً لَنا ** إِذا ما الزَّمانُ سَطـا بالغبِ
الخاتمة: اليمن والمسيرة القرآنية
لقد أهدى أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة هذه الأمة وقائد المسيرة القرآنية بإحياء المراكز الصيفية بالعلوم النافعة نوراً يجعل الحياة مضيئة تشع أنوارها بالعلم والمعرفة، وتفيض أنهارها بالأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة التي تشعر الإنسان بدفء التعليم، وحنان الأبوة، والعمل على إصلاح المجتمع، واكتساب الخير العظيم: {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.


