في لحظات التصعيد الكبرى لا تُقاس السياسات بقدرتها على إشعال الحروب بل بقدرتها على إدارتها أو تجنبها.
وما تكشفه تجربة دونالد ترامب في مواجهته مع إيران هو نموذج كلاسيكي لإخفاق استراتيجي مركّب حيث تداخل سوء التقدير مع الإفراط في استخدام القوة وانتهى الأمر بواشنطن في موقع دفاعي لا يُحسد عليه.
أولاً : الرهان الخاطئ على الداخل الإيراني
اعتمدت إدارة ترامب على سردية روّج لها بنيامين نتنياهو، مفادها أن الضغط العسكري والاقتصادي سيدفع الشعب الإيراني إلى الانقلاب على نظامه.
غير أن هذا الرهان تجاهل تقديرات مؤسسات مجلس الأمن القومي الأمريكي وأجهزة الاستخبارات التي حذّرت من أن التهديد الخارجي غالباً ما يعزز تماسك الداخل الإيراني بدل تفكيكه.
النتيجة جاءت معاكسة تماماً : تماسك داخلي أكبر، وتحول إيران إلى لاعب أكثر جرأة في التحكم بالممرات الحيوية للطاقة.
ثانياً: استنزاف غير متكافئ للقدرات العسكرية :
دخلت واشنطن في معادلة استنزاف غير متوازنة حيث استُهلكت منظومات عسكرية باهظة الثمن في مواجهة أدوات منخفضة الكلفة مثل الطائرات المسيّرة.
ومع أن الفارق الهائل في الميزانيات العسكرية يميل لصالح الولايات المتحدة، فإن طبيعة الحرب غير المتكافئة أفرغت هذا التفوق من مضمونه ودفعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة نشر قواتها وسحبها من مناطق حساسة ما أضعف حضورها العسكري عالمياً.
ثالثاً : تفكيك منظومة التحالفات الدولية
أحد أبرز أركان القوة الأمريكية تاريخياً كان تحالفها مع حلف شمال الأطلسي وشركائها في أوروبا وآسيا ، إلا أن مقاربة ترامب الأحادية أدت إلى تصدع هذا الجدار؛ إذ رفضت قوى كبرى مثل كندا واليابان ودول أوروبا الغربية الانخراط في مواجهة مع إيران لغياب الشرعية الدولية وعدم توافق الحرب مع مصالحها وهذا التراجع في الدعم لم يضعف الموقف الأمريكي فحسب بل كشف حدود القدرة على فرض الإرادة خارج إطار الإجماع الدولي.
رابعاً : الانزلاق الأخلاقي وفقدان الشرعية
لم تكن الأزمة عسكرية أو سياسية فقط بل أخلاقية أيضاً.
فقد أدى التصعيد اللفظي بما في ذلك التهديد بمحو الحضارة الإيرانية إلى تقويض الخطاب الأمريكي التقليدي حول الحرية والديمقراطية.
كما أن تصريحات رسمية تتعلق بعدم إظهار الرحمة في الحرب، فتحت الباب أمام اتهامات بانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني ما أضعف صورة واشنطن كمدافع عن النظام الدولي القائم على القيم.
من فائض القوة إلى عجز الاستراتيجية
تكشف هذه الأخطاء مجتمعة أن المشكلة لم تكن في أدوات القوة الأمريكية بل في طريقة توظيفها.
فالسياسة التي تُبنى على افتراضات خاطئة، وتُدار بمنطق أحادي وتنزلق أخلاقيًا تتحول من عنصر ردع إلى عامل إرباك.
وفي حالة ترامب لم تُنتج المواجهة مع إيران انتصاراً حاسماً بل أعادت رسم موازين القوة بطريقة أظهرت حدود الهيمنة الأمريكية وأكدت أن العالم لم يعد يُدار بمنطق القوة الصرفة وحدها.


