الانفصام النقدي: احتياطيات صلبة وأزمة سيولة في آن واحد

الانفصام النقدي في العراق بين الاحتياطيات وأزمة السيولة
قراءة في الانفصام النقدي العراقي، بين احتياطيات البنك المركزي وأزمة الخزينة، ودور النفط والإنفاق والفساد في تعميق الهشاشة...

الاقتصاد الريعي وأنواع الأزمات المتكررة

يرتبط مصير أي اقتصاد ريعي يعتمد على مورد وحيد بمصير ذلك المورد نفسه. وهذه حقيقة تنطبق على العراق كما تنطبق على غيره من الدول النفطية.

غير أن درجة الهشاشة تتفاوت بشكل كبير من اقتصاد إلى آخر. ويعود ذلك إلى ما يملكه كل بلد من أدوات لامتصاص الصدمات.

فالاقتصادات النفطية عموماً معرضة لثلاثة أنواع من الأزمات المتكررة. أولها أزمة تذبذب الأسعار العالمية التي تُترجم مباشرة إلى فجوة في الإيرادات.

وثانيها أزمة فرط الاعتماد على قطاع واحد. إذ يجعل هذا الاعتماد بقية القطاعات الإنتاجية هامشية وغير قادرة على التعويض عند الصدمة.

أما ثالثها، فهي أزمة الإدارة المالية. وتحدث عندما يتحول الفائض النفطي في سنوات الرخاء إلى إنفاق تشغيلي متضخم والتزامات دائمة يصعب التراجع عنها عند انعكاس دورة الأسعار.

وهذه الأزمات الثلاث ليست حتمية. فدول الخليج ذاتها اقتصادات نفطية بامتياز، لكنها طورت على مدى عقود أدوات مالية واستثمارية ومؤسسية.

وقد جعلتها هذه الأدوات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات نفسها. وإن لم تتحرر بصورة كاملة من تأثير النفط.

العراق وحساسية الإنفاق العام

تكشف التجربة العراقية بوضوح أن المشكلة لا تكمن في انخفاض الموارد وحده. بل تكمن في درجة حساسية الإنفاق العام تجاه تغير تلك الموارد.

فوفق تقديرات صندوق النقد الدولي، ارتفع سعر النفط اللازم لتحقيق التعادل في الموازنة العراقية من نحو 54 دولاراً للبرميل في عام 2020 إلى قرابة 84 دولاراً في عام 2024.

ولم يحدث ذلك لأن تكلفة استخراج النفط ارتفعت بهذه النسبة. بل لأن الإنفاق الحكومي، ولا سيما الإنفاق الجاري والرواتب والتقاعد والتحويلات، توسع بوتيرة أسرع من نمو الموارد غير النفطية.

كما انتقل الرصيد المالي العام من عجز يُقدر بنحو 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023 إلى نحو 4.2% في عام 2024.

وفي الوقت نفسه، تباطأ نمو الاقتصاد غير النفطي من 13.8% في عام 2023 إلى نحو 2.5% في عام 2024.

وتوضح هذه الأرقام أن الصدمة لا تبدأ لحظة انهيار أسعار النفط. فالاختلال يتكون أثناء سنوات الوفرة عندما تتحول الإيرادات المؤقتة إلى التزامات إنفاق دائمة.

لماذا يختلف العراق عن اقتصادات الخليج؟

هنا تكمن خصوصية الاقتصاد العراقي. فهو لا يشبه اقتصادات الخليج في قدرته على امتصاص الصدمة، رغم اشتراكهما في مصدر الريع ذاته.

فدول مثل السعودية والإمارات وقطر بنت على مدى العقود الماضية صناديق سيادية وأوعية استثمارية كبيرة.

وتستثمر هذه الصناديق جانباً من الفوائض النفطية في محافظ متنوعة جغرافياً وقطاعياً. وبذلك لا يبقى الريع مجرد تدفق نقدي يُستهلك في السنة المالية نفسها.

بل يتحول جزء منه إلى أصول مالية واستثمارات قادرة على توليد عوائد مستقبلية.

وقد أظهرت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي أن الاستثمارات العابرة للحدود والاستثمارات المحلية، بما فيها تلك المرتبطة بالصناديق السيادية، أصبحت جزءاً مهماً من عملية التحول الاقتصادي الخليجي.

كما أظهرت أن تدفقات الاستثمار ترتبط إيجابياً بنمو الناتج الحقيقي غير الهيدروكربوني. ويظهر ذلك خصوصاً في قطاعات الخدمات ذات معدلات النمو المرتفعة.

كما نجحت هذه الدول، بدرجات متفاوتة، في توسيع قطاعات السياحة والخدمات المالية واللوجستيات والصناعة والطيران والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

ونجحت أيضاً في تطوير أدوات ضريبية وجمركية وأسواق مالية أعمق، وبيئة أكثر قدرة على جذب رأس المال.

وهذا لا يعني أن اقتصادات الخليج أصبحت مستقلة عن النفط. فالهيدروكربونات ما تزال عنصراً مركزياً في المالية العامة والحساب الخارجي لعدد منها.

لكن الفارق أن الصدمة النفطية تواجه في تلك الاقتصادات مخزونات مالية وأصولاً سيادية وأسواق تمويل أكثر عمقاً.

كما تواجه قدرة مؤسسية أعلى على الاقتراض وإدارة الدين والتكيف المالي.

النفط ومحورية البنية المالية العراقية

في المقابل، ما يزال النفط يشكل محور البنية المالية والخارجية للعراق.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن النفط مثّل في عام 2024 نحو 53% من الناتج الحقيقي، وقرابة 91% من الإيرادات الحكومية و95% من الصادرات وفق بعض التقديرات المستخدمة في وثائق البنك.

وفي عام 2025، قدّر البنك حصة النفط في الإيرادات الحكومية بنحو 88%. أي إن النسبة قد تختلف بحسب السنة وطريقة التصنيف، لكنها تبقى حول تسعة أعشار الإيرادات العامة.

كما كان صندوق النقد يتوقع في تقديراته الأساسية أن تظل الإيرادات النفطية أعلى من 90% من الإيرادات الحكومية خلال السنوات المقبلة.

ويفترض ذلك ما لم تتحقق إصلاحات ملموسة في تعبئة الإيرادات غير النفطية.

ولا يمتلك العراق، حتى الآن، صندوق ادخار وتثبيت سيادي واسع الأصول يقوم بالدور نفسه الذي تؤديه بعض الصناديق الخليجية في عزل الموازنة جزئياً عن الدورة النفطية.

صحيح أن العراق أنشأ صندوق العراق للتنمية، وجرى تصميمه كصندوق للصناديق لدعم الاستثمار والتنمية، مع تخصيصات وخطط استثمارية بمليارات الدولارات.

إلا أن طبيعته التنموية تختلف عن وظيفة صندوق استقرار مالي يحتفظ بفوائض النفط، ويتيح للحكومة السحب المنضبط منها عند هبوط الإيرادات.

وبالتالي، ما تزال العلاقة بين إيرادات النفط والإنفاق الجاري علاقة شبه مباشرة. يرتفع الإنفاق مع ارتفاع الإيرادات، ثم تتحول الالتزامات الجديدة إلى مشكلة تمويل بمجرد انخفاض التدفقات النفطية.

القطاع العام وسرعة تحول الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية

فضلاً عن ذلك، يشكل القطاع العام العمود الفقري لسوق العمل العراقي. وهذا يجعل أي أزمة في مالية الدولة تتحول بسرعة من مشكلة خزينة إلى مشكلة اجتماعية.

فالرواتب والتقاعد ليست مجرد بند ثانوي يمكن تأجيله من دون آثار. بل أصبحت أحد أكبر مكونات الإنفاق العام.

وتظهر حسابات صندوق النقد أن الرواتب والتقاعد بلغت في عام 2024 قرابة 22% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما تظهر أن استمرار المسار الحالي يمكن أن يجعل هذا البند أكثر ضغطاً على الموازنة في السنوات اللاحقة.

لذلك، فإن انخفاضاً مؤقتاً في أسعار النفط لا يواجه إنفاقاً مرناً يمكن تقليصه بالسرعة نفسها.

بل يواجه كتلة كبيرة من الالتزامات القانونية والاجتماعية. وهذا أحد الأسباب الأساسية وراء سرعة تحول صدمة الإيرادات إلى شح في السيولة.

سعر الموازنة وسعر التعادل المالي

تتعدد العوامل التي تسهّل وقوع الأزمة المالية في العراق تحديداً.

والمشكلة ليست دائماً، كما يُقال أحياناً، أن الموازنة تُبنى حصراً على تقديرات متفائلة لسعر النفط.

فالموازنة الثلاثية 2023-2025، على سبيل المثال، اعتمدت سعراً تقديرياً قدره 70 دولاراً للبرميل.

وهذا السعر كان أدنى من مستويات الأسعار الفعلية في أجزاء مهمة من تلك الفترة.

لكن الإشكال الأعمق هو أن سعر الموازنة شيء، وسعر التعادل المالي شيء آخر.

فقد تستطيع الدولة إعداد موازنتها على 70 دولاراً. بينما تحتاج فعلياً إلى سعر يقترب من 84 دولاراً كي تتوازن الإيرادات مع حجم الإنفاق القائم.

ومن هنا يتضح أن الخطر الحقيقي يكمن في تضخم الالتزامات أكثر مما يكمن في الرقم الافتراضي لسعر البرميل وحده.

الموازنات والدورة المالية

إضافة إلى ذلك، عانى العراق تاريخياً من تأخر إقرار الموازنات واضطراب الدورة المالية نتيجة الخلافات السياسية والمؤسسية.

وقد حاول قانون الموازنة العامة الاتحادية رقم 13 لسنة 2023 تجاوز جزء من هذه المشكلة.

وجرى ذلك من خلال إقرار موازنة لثلاث سنوات 2023-2025، وهي تجربة غير معتادة في المالية العامة العراقية الحديثة.

إلا أن تعدد الجداول والتعديلات والقيود التنفيذية لا يلغي الحاجة إلى إطار مالي متوسط الأجل أكثر صرامة.

وقد دعا صندوق النقد بالفعل إلى تطوير إطار مالي يحد من التوسع في الإنفاق أثناء طفرات أسعار السلع.

كما دعا إلى ضمان ادخار جزء من الفوائض لبناء مصدات مالية يمكن استخدامها أثناء الصدمات.

ضعف القطاعات غير النفطية

يضاف إلى ذلك ضعف القطاعات الإنتاجية غير النفطية، نتيجة بيئة أعمال معقدة وبيروقراطية ثقيلة.

كما يرتبط ذلك بضعف البنية التحتية والتمويل المصرفي، ومحدودية قدرة القطاع الخاص على منافسة الدولة في سوق العمل.

وليس أدل على ذلك من أن الاقتصاد غير النفطي، بعد نمو استثنائي بلغ نحو 13.8% في عام 2023، وكان مدفوعاً بدرجة كبيرة بالتوسع المالي، تباطأ إلى حوالي 2.5% في عام 2024.

ثم أشارت بيانات البنك الدولي إلى نمو لا يتجاوز 1.5% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.

وقد تأثر ذلك بنقص المياه والكهرباء وبأزمة السيولة الناتجة عن تراجع الإيرادات النفطية.

وهذا يعني أن القطاع غير النفطي نفسه لا يزال مرتبطاً بصورة غير مباشرة بإنفاق الدولة النفطي.

وبدلاً من أن يعمل باعتباره مصدراً مستقلاً للنمو والإيرادات، بقي متأثراً بدورة الإنفاق العام.

البعد الجيوسياسي في هشاشة الاقتصاد العراقي

يضاف إلى هذا كله ارتباط الاستقرار النقدي والمالي المحلي بمعطيات إقليمية متقلبة.

فالموقع الجغرافي للعراق ووقوعه في قلب منطقة عالية التوتر يجعلان صادراته النفطية وتجارته الخارجية وتدفقات الاستثمار وتكاليف التأمين والنقل عرضة للصدمات الجيوسياسية.

ولهذا لا ينبغي قياس متانة الاقتصاد العراقي بكمية النفط التي يمتلكها في باطن الأرض فقط.

بل يجب قياسها بقدرته على مواصلة تمويل الدولة والاقتصاد إذا تعطلت الصادرات، أو انخفضت الأسعار، أو ارتفعت كلفة الواردات لفترة ممتدة.

الانفصام النقدي: احتياطيات قوية وأزمة سيولة

هنا نصل إلى المفارقة المركزية التي يعبّر عنها عنوان الانفصام النقدي: كيف يستطيع بلد أن يمتلك احتياطيات أجنبية كبيرة، وفي الوقت نفسه يشكو من أزمة سيولة؟

يكمن الجواب في ضرورة الفصل بين احتياطيات البنك المركزي وبين السيولة المتاحة للخزينة العامة.

فالاحتياطي الأجنبي ليس حساباً جارياً لوزارة المالية تستطيع أن تسحب منه متى ما أرادت لدفع الرواتب والنفقات.

هذه الاحتياطيات أصول يحتفظ بها البنك المركزي لمساندة الاستقرار النقدي وسعر الصرف.

كما يستخدمها لتمويل الطلب المشروع على العملة الأجنبية، والحفاظ على الثقة بالدينار، والقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.

ولذلك، فإن وجود عشرات المليارات من الدولارات في ميزانية البنك المركزي يمكن أن يتزامن تماماً مع عدم امتلاك وزارة المالية كمية كافية من الدنانير أو الإيرادات الجارية لتغطية التزاماتها في توقيت معين.

احتياطيات البنك المركزي والذهب

في نهاية عام 2024، سجلت احتياطيات البنك المركزي العراقي نحو 130.3 تريليون دينار.

وكانت قد سجلت 145.3 تريليون دينار في نهاية عام 2023. أي إنها انخفضت بنسبة 10.3%.

وباحتساب سعر الصرف الرسمي السائد آنذاك، يعادل ذلك قرابة 99 مليار دولار.

كما بلغت قيمة الذهب ضمن الاحتياطيات نحو 17.8 تريليون دينار، بعد ارتفاعها بنحو 45.1% خلال العام.

وفي الوقت نفسه، بقيت مؤشرات كفاية الاحتياطيات مرتفعة. إذ بلغت نسبة الاحتياطيات إلى العملة المصدرة نحو 129.7%.

كما بلغت نسبتها إلى عرض النقد الواسع نحو 74.9% في عام 2024.

ومن ثم فإن الحديث عن أزمة سيولة حكومية لا يعني أن العراق كان، في الوقت نفسه، بلداً بلا احتياطيات.

الودائع الحكومية والسيولة المحلية

في الجهة الأخرى من الميزانية النقدية، انخفضت الودائع الحكومية في الجهاز المالي من نحو 68.3 تريليون دينار في نهاية عام 2023 إلى 61.7 تريليون دينار في نهاية عام 2024.

أي إنها انخفضت بنحو 9.7%.

كما تراجعت السيولة المحلية الواسعة M2 من نحو 181 تريليون دينار إلى قرابة 174 تريليون دينار.

وأشار صندوق النقد إلى عودة تراكم المتأخرات المحلية نتيجة قيود التمويل.

وهنا يظهر جوهر الانفصام النقدي. فقد تبقى ميزانية البنك المركزي قوية نسبياً من ناحية الموجودات الأجنبية.

بينما تواجه وزارة المالية فجوة زمنية بين الإيرادات المتدفقة والنفقات المستحقة.

خطأ تحويل الاحتياطيات إلى إنفاق عام

الحل الخاطئ لهذه المفارقة هو الاعتقاد بأن بإمكان الحكومة ببساطة تحويل احتياطيات البنك المركزي إلى إنفاق عام.

فلو قام البنك المركزي بتمويل العجز على نطاق واسع عبر شراء أدوات الدين الحكومية وضخ الدنانير من دون زيادة مقابلة في الموجودات الأجنبية، فإن النتيجة ستكون توسعاً في القاعدة النقدية.

كما ستكون النتيجة إضعافاً تدريجياً للتغطية الأجنبية للعملة. وقد تنتقل الأزمة من الخزينة إلى سعر الصرف والتضخم والثقة بالنظام النقدي.

ولهذا حذر صندوق النقد بصورة صريحة من استخدام البنك المركزي لتمويل العجز.

فالسبب أن التوسع في العملة المحلية من دون نمو مماثل في الاحتياطيات يخل بالتوازن بين المطلوبات النقدية والأصول الأجنبية.

دور الحكومة والفساد في تعميق الهشاشة

غير أن الحديث عن الأزمة المالية العراقية يبقى ناقصاً إن لم يتطرق إلى دور الحكومة نفسها في تعميق هذه الهشاشة البنيوية.

فالفساد المالي والإداري لا يشكل عاملاً خارجياً طارئاً على الأزمة. بل هو أحد أعمدتها الرئيسة.

فسوء إدارة الإنفاق العام، وتضخم التوظيف الحكومي بمعزل عن الحاجة الفعلية لسوق العمل، وضعف الرقابة على العقود والمشاريع الاستثمارية، كلها عوامل تُفرغ الإيرادات النفطية من قدرتها على التحول إلى بنية تحتية أو قطاعات منتجة.

كما تجعل من كل دورة ارتفاع في أسعار النفط فرصة ضائعة، لا تراكماً حقيقياً في الثروة الوطنية.

وتساعد الأرقام المالية على فهم حجم هذا الاختلال. ففي عام 2024، مثّلت الرواتب والتقاعد وحدها ما يقارب 22% من الناتج المحلي الإجمالي.

في حين بقيت القاعدة الضريبية غير النفطية شديدة الانخفاض بالمقارنة مع دول المنطقة.

وتظهر تقديرات صندوق النقد أن الإيرادات الضريبية لا تمثل سوى نسبة محدودة جداً من الناتج.

وهذا يعني أن الدولة العراقية تمول التزامات كبيرة ودائمة من مورد عالمي متقلب.

وهذا هو التعريف العملي للهشاشة المالية: نفقات ثابتة يقابلها دخل متغير.

الحوكمة والاستثمار العام

كما أن غياب آليات المساءلة الفعلية وتعدد مراكز القرار المالي بين مؤسسات الدولة يضعف قدرة أي حكومة، مهما توفرت لديها النوايا الإصلاحية، على فرض انضباط مالي صارم أو إعادة هيكلة حقيقية لبنود الإنفاق.

وقد شدد صندوق النقد في تقييمه للعراق على أن تحسين إدارة الاستثمار العام والمشتريات والحوكمة ومكافحة الفساد عنصر أساسي في رفع كفاءة الاستثمار غير النفطي.

ولا سيما أن البلاد تحتاج في الوقت ذاته إلى استثمارات ضخمة في الكهرباء والنقل والغاز والبنية التحتية.

وقدرت السلطات، وفق تقرير الصندوق، احتياجات تحديث شبكات توليد ونقل وتوزيع الكهرباء وحدها بأكثر من 31 مليار دولار.

وهذا ما يفسر تكرار الأزمة نفسها في كل مرة تتراجع فيها الموارد.

فرغم أن التجارب السابقة، من هبوط أسعار النفط في عام 2014 إلى أزمة 2020، ثم عودة ضغوط السيولة في عامي 2024 و2025، كان ينبغي أن تدفع إلى بناء نظام مالي أقل اعتماداً على الدورة النفطية.

إلا أن ذلك لم يحدث بالقدر المطلوب. وما لم يتحول جزء من الإيراد النفطي إلى أصل منتج أو احتياطي مالي حكومي قابل للاستخدام وفق قاعدة مالية واضحة، ستظل الدولة تتصرف في سنوات الوفرة وكأن السعر المرتفع دائم.

ثم تتعامل مع كل انخفاض وكأنه حدث استثنائي لم يكن بالإمكان توقعه.

الحلول العاجلة والبنيوية

أما عن الحلول المطروحة لكسر هذه الحلقة المتكررة، فهي تتوزع بين معالجات عاجلة وأخرى بنيوية طويلة الأمد.

على المدى القريب، يستدعي الأمر ضبط الإنفاق الجاري غير الضروري، وترشيد التوظيف الحكومي الجديد.

كما يستدعي مراجعة المخصصات والإنفاق منخفض الأولوية، مع حماية الإنفاق الاستثماري عالي العائد والإنفاق الاجتماعي الضروري.

ويتطلب الأمر أيضاً تحسين إدارة التدفقات النقدية للخزينة، ووضع حساب خزينة موحد أكثر فاعلية.

فالمشكلة ليست فقط في مقدار الإيرادات السنوية. بل تكمن أيضاً في توقيت تحصيلها وتوزيعها، وإمكانية معرفة الأرصدة الحكومية المتاحة بصورة آنية.

وفي هذا الإطار، اقترح صندوق النقد أن تتجه الإصلاحات إلى الحد من التوظيف الإلزامي.

كما اقترح تطبيق قاعدة إحلال تدريجية في بعض أجزاء القطاع العام، بحيث لا يتم استبدال كل موظف متقاعد بتعيين جديد تلقائياً.

وقدّر أن تطبيق نموذج يستبدل موظفاً واحداً بكل متقاعدين اثنين في بعض القطاعات يمكن أن يحقق وفورات تراكمية تعادل ما لا يقل عن 2.7% من الناتج غير النفطي بحلول عام 2030.

كما أوصى بتطوير الإدارة الضريبية والجمركية، وتوسيع القاعدة الضريبية، وزيادة بعض الرسوم الانتقائية.

ويأتي ذلك بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على النفط أو اللجوء إلى التمويل النقدي عند الأزمات.

العملة الأجنبية والفجوة بين السعر الرسمي والموازي

إلى جانب ذلك، يحتاج العراق إلى تفعيل آليات أكثر شفافية وكفاءة لتوفير العملة الأجنبية.

كما يحتاج إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.

وقد شهد هذا الملف تحولاً مهماً مع انتقال تمويل التجارة الخارجية تدريجياً من المنصة الإلكترونية للبنك المركزي إلى علاقات المصارف العراقية مع البنوك المراسلة الدولية.

وأشار صندوق النقد إلى أن الانتقال إلى النظام الجديد ساعد بالفعل على تقليص الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي.

كما أن إجمالي مبيعات البنك المركزي من الدولار بلغ نحو 77.65 مليار دولار في عام 2024.

وكان ذلك مقابل مشتريات من وزارة المالية تقارب 68.65 مليار دولار.

وهذا فارق ساهم في انخفاض الاحتياطيات الأجنبية خلال العام.

آلية سيادية للاستقرار والادخار

أما على المدى الأبعد، فلا مفر من الشروع الجاد في بناء آلية سيادية مزدوجة الوظيفة: للاستقرار والادخار.

وتستوعب هذه الآلية جانباً من فوائض سنوات الرخاء النفطي بدلاً من تحويلها بأكملها إلى إنفاق تشغيلي فوري.

وينبغي أن تختلف هذه الآلية عن الصناديق التنموية التقليدية. فوظيفتها الأولى يجب أن تكون فصل الإنفاق الحكومي عن التقلبات قصيرة الأجل لأسعار النفط.

ويتم ذلك عبر قاعدة معلنة تحدد مقدار ما يدخل الصندوق في سنوات ارتفاع الأسعار، ومقدار ما يجوز سحبه عند انخفاضها.

وهذا ما يعني عملياً الانتقال من إدارة الموازنة على أساس: كم بلغ سعر النفط هذا العام؟ إلى إدارتها على أساس دورة اقتصادية تمتد لعشر أو عشرين سنة.

قطاعات التنويع الاقتصادي

إلى جانب ذلك، يحتاج العراق إلى إصلاح تشريعي وإداري يفتح الباب فعلياً أمام استثمارات القطاع الخاص في الزراعة والصناعة والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية والنقل والتخزين والسياحة والصناعات الغذائية والاقتصاد الرقمي.

وهي قطاعات يمتلك فيها العراق عناصر قوة حقيقية تتمثل في موقع جغرافي يربط الخليج بتركيا وأوروبا.

كما يمتلك سوقاً محلية كبيرة، وموارد طاقة ومياه وأراضٍ زراعية، وقوة عمل شابة.

غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة مضافة يحتاج إلى كهرباء مستقرة، وتمويل مصرفي فعال، ونظام جمركي رقمي.

كما يحتاج إلى قضاء تجاري سريع، وإجراءات أبسط لتأسيس الشركات وحماية المستثمر.

شرط مكافحة الفساد

غير أن أياً من هذه الحلول لن يكتب له النجاح ما لم تسبقه معالجة جذرية لملف الفساد المالي والإداري.

ذلك أن أي إصلاح اقتصادي يُبنى فوق بنية إدارية هشة ومساءلة غائبة سيبقى إصلاحاً على الورق، أكثر منه تحولاً فعلياً في واقع الاقتصاد العراقي.

فالصندوق السيادي نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر جديد للهدر إن لم تحكمه قواعد إفصاح واستثمار مستقلة.

كما أن زيادة الضرائب لا تحقق هدفها إذا بقي التهرب واسعاً.

والاستثمار العام لا يخلق نمواً إذا ارتفعت كلفة المشروع وانخفضت كفاءته.

والإصلاح المصرفي لا يعيد الثقة إذا لم تقترن الرقابة بمعايير واضحة للملاءة والحوكمة ومكافحة غسل الأموال.

خلل العلاقة بين الثروة والسيولة

من هنا، فإن الانفصام النقدي العراقي لا يعني تناقضاً محاسبياً بقدر ما يكشف عن خلل مؤسسي في العلاقة بين الثروة والسيولة.

فالعراق يستطيع أن يمتلك احتياطيات أجنبية تقترب من مئة مليار دولار.

وفي الوقت نفسه، قد يكون مضطراً إلى تأجيل التزامات أو البحث عن تمويل داخلي للخزينة.

فالأولى تخص قوة المركز الخارجي والميزانية العمومية للبنك المركزي.

أما الثانية، فتخص قدرة وزارة المالية على تحويل الإيرادات الجارية إلى دنانير متاحة لمقابلة إنفاق شهري ضخم وصل إلى مستويات يصعب تعديلها سريعاً.

ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كيف يعاني العراق من السيولة وهو يمتلك هذه الاحتياطيات؟

بل السؤال الصحيح هو: لماذا لم تستطع عقود من الإيرادات النفطية الكبيرة بناء مالية عامة تمتلك هي الأخرى احتياطياتها ومصداتها المستقلة؟

الطريق إلى الحل

حين يُطرح السؤال بهذه الصيغة، يصبح الطريق إلى الحل أكثر وضوحاً.

فالمطلوب ليس استنزاف احتياطيات البنك المركزي لمعالجة مشكلة الخزينة.

وإنما المطلوب بناء خزينة لا تحتاج في كل دورة نفطية هابطة إلى طرق باب البنك المركزي.

والمطلوب ليس زيادة إنتاج النفط وحدها. وإنما تقليل كمية الإنفاق الحكومي التي يتوقف استمرارها على كل دولار إضافي في سعر البرميل.

كما أن المطلوب ليس امتلاك احتياطيات صلبة فحسب.

بل تحويل جزء من الثروة النفطية إلى مؤسسات وأصول وإيرادات غير نفطية، تجعل صلابة الاحتياطي النقدي مترافقة مع صلابة المالية العامة.

عندها فقط ينتهي هذا الانفصام بين بنك مركزي يمتلك احتياطيات كبيرة وخزينة تبحث عن السيولة.

ويتحول النفط من مصدر دائم للأزمات الدورية إلى أداة لتمويل انتقال حقيقي نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستقراراً واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *