تتصاعد التعقيدات السياسية في العراق مع استمرار الخلافات الحادة داخل الإطار التنسيقي مما يعرقل أي حسم بشأن اختيار رئيس الوزراء المقبل. فبينما يمر البلد بمرحلة دقيقة تتطلب توافقاً سريعاً لتشكيل حكومة قادرة على مواجهة الأزمات المتراكمة تبدو جلسات الإطار وكأنها تدور في حلقة مفرغة من التباينات حول الشخصية المناسبة والبرنامج الإصلاحي المطلوب.
فبعض الأطراف تتمسك بترشيح شخصيات محسوبة على التيار الأكثر نفوذاً بينما تسعى جهات أخرى إلى قيادة مستقلة نسبياً ترضي جميع الأطراف وتمنع الاصطفافات الحادة. هذا الانقسام الداخلي لم يقتصر على اختلاف الأسماء فقط بل تعداه إلى رؤى متضاربة حول آليات توزيع الحقائب السيادية والمغانم والحصص وطبيعة العلاقة مع القوى السياسية الأخرى الأمر الذي أطال أمد المشاورات دون أفق واضح.
وفي الوقت نفسه تتداخل ضغوط خارجية متزايدة تزيد من تعقيد المشهد إذ تحاول قوى إقليمية ودولية توجيه الخيارات بما يخدم مصالحها فبعض العواصم تسعى إلى رئيس وزراء قادر على حفظ التوازن مع إيران بينما تفضل جهات أخرى شخصية أكثر انفتاحاً على الغرب وقادرة على كبح جماح الفصائل المسلحة.
هذه الضغوط المتقاطعة تجعل من مهمة الإطار شبه مستحيلة لأن أي اختيار سيواجه بتحفظ طرف خارجي أو آخر مما يضطر القوى العراقية إلى مزيد من المناورات والمماطلة. والمفارقة أن التعطيل الحاصل يضعف موقف الإطار التفاوضي أمام خصومه السياسيين ويفسح المجال أمام قوى خارج الإطار لطرح بدائلها مما يزيد من حالة الفوضى السياسية ويهدد بسحب الثقة حتى من العملية السياسية برمتها.
وفي سياق أعمق، فإن هذا الانسداد السياسي لا يمكن فصله عن اختلالات بنيوية في الاقتصاد السياسي العراقي حيث تُدار السلطة بوصفها أداة لإعادة توزيع الريع لا كوسيلة لإنتاجه. فغياب الحسم يعكس صراعاً على التحكم بمفاصل الإنفاق العام أكثر مما يعكس تنافساً على برامج إصلاحية حقيقية. كما أن استمرار نموذج الاقتصاد الريعي يضعف الحوافز نحو التوافق لأنه يربط النفوذ السياسي مباشرة بتدفقات الموارد المالية. وفي ظل بيئة مؤسسية هشة، تتحول المساومات السياسية إلى بديل عن السياسات العامة الرشيدة. لذلك فإن أي تسوية لا تقترن بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد ستبقى عرضة للانهيار مع أول اختبار جدي.
إن استمرار هذا السيناريو يعني إغراق العراق في فراغ دستوري طويل تفاقم فيه الأزمات الخدمية والاقتصادية ويمنح القوى المتطرفة فرصة لاستغلال الشارع الغاضب وفي النهاية لن يدفع الثمن سوى المواطن الذي يئس من قدرة السياسيين على الاتفاق حتى على أقل المطالب.
الحل لا يكمن في انتظار معجزة توافقية بل في إدراك القوى العراقية أن الخيارات الضيقة والرهان على المحاور الخارجية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانسداد وأن التنازل المؤقت لإنقاذ المرحلة أفضل من الجمود الذي يهدد الجميع.


