المقدمة: عودة ملف قديم بثوب جديد
عاد الحديث عن التجنيد الإلزامي في العراق إلى الواجهة السياسية عام 2026، بعد تبنّي مقترحات لإعادة “خدمة العلم” بوصفها ضرورة أمنية واجتماعية. غير أن هذا الطرح لا يمكن عزله عن الذاكرة العراقية المثقلة بتجربة طويلة ومعقدة امتدت من تأسيس الدولة الحديثة عام 1921 حتى سقوط النظام عام 2003، حيث كان التجنيد جزءًا لا يتجزأ من حياة الشباب، لكنه ارتبط بالمعاناة أكثر من ارتباطه بالواجب الوطني.
أولًا: التجربة العراقية… ذاكرة مثقلة بالمعاناة
لم يكن التجنيد مجرد التزام وطني، بل تحوّل إلى عبء ثقيل:
– امتدت الخدمة الإلزامية في أوقات الحروب لسنوات طويلة، ما عطّل حياة الشباب ومستقبلهم، وأدى في حالات كثيرة إلى بقاء بعضهم في الجيش حتى سن متقدمة.
– رواتب زهيدة وظروف معيشية قاسية داخل المعسكرات.
– استخدام التجنيد كأداة سياسية وأمنية أكثر من كونه مؤسسة مهنية.
من الذاكرة المريرة
– قيود السفر: كان السفر إلى الخارج مشروطًا بموافقة دوائر التجنيد، ما فتح بابًا واسعًا للبيروقراطية وأصبح عائقًا أمام حرية التنقل.
– الهروب من الخدمة: جعل الشباب مطاردين ومطلوبين للقانون، الأمر الذي عطّل حياتهم العملية والاجتماعية، وحرمهم من الزواج والتنقل، بل دفع بعضهم إلى العزلة داخل البيوت خوفًا من السلطات.
– العقوبات القاسية: من أبرز ما يُستحضر في الذاكرة عقوبات السجن والإعدام بحق الهاربين من الخدمة، وهو ما رسّخ صورة التجنيد كأداة قمعية أكثر من كونه واجبًا وطنيًا.
هذه التجربة خلقت ذاكرة جمعية مؤلمة، جعلت فكرة العودة إلى التجنيد تُقابل بريبة واسعة داخل المجتمع.
ثانيًا: دوافع إعادة الطرح اليوم
– تعزيز الجيش عدديًا في ظل التحديات الأمنية.
– بناء هوية وطنية مشتركة عبر جمع الشباب من مختلف المناطق.
– استيعاب البطالة مؤقتًا عبر إشغال الشباب بالخدمة.
لكن هذه الأهداف – رغم وجاهتها نظريًا – تواجه تساؤلات كبيرة حول جدواها الفعلية في ظل واقع هش ومؤسسات مثقلة بالفساد.
ثالثًا: فوائد محتملة… لكنها مشروطة
تعزيز الانضباط والمسؤولية لدى الشباب، تقوية الشعور بالانتماء الوطني، توفير احتياط عسكري جاهز للطوارئ. غير أن هذه الفوائد لا تتحقق إلا في ظل دولة قوية وعادلة، وهو شرط لم يتحقق بعد في العراق.
رابعًا: المساوئ والتحديات الحقيقية
- استنزاف طاقات الشباب: ضياع سنوات من العمر الإنتاجي دون مردود اقتصادي.
- عبء مالي ضخم: زيادة الإنفاق الأمني على حساب التنمية.
- تغليب الكم على النوع: الجيوش الحديثة تعتمد على الاحتراف والتكنولوجيا لا على الأعداد.
- خطر عسكرة المجتمع: تحويل المجتمع المدني إلى بيئة عسكرية بدل تطويره اقتصاديًا وثقافيًا.
خامسًا: باب محتمل للفساد والتمييز
– البدل النقدي: الغني يدفع ويتجنب الخدمة، والفقير يُجبر عليها.
– الوساطات والمحسوبية: توزيع المجندين حسب النفوذ.
– تمييز طبقي واضح داخل المؤسسة العسكرية.
ويُخشى أن يؤدي غياب الضوابط الصارمة إلى فتح ثغرات قد تُستخدم بطرق لا تخدم المصلحة العامة.
سادسًا: ماذا لو استُثمرت الأموال في التنمية؟
بناء مصانع وتشغيل الشباب، تطوير الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي، تحسين الخدمات (كهرباء، صحة، تعليم)، وتقليل البطالة بشكل دائم لا مؤقت. هذا الخيار أكثر استدامة، لأنه يحوّل الشباب من عبء إلى قوة إنتاجية.
سابعًا: البديل الواقعي… الجيش المهني
فتح باب التطوع بشكل واسع، بناء جيش محترف عالي الكفاءة، والاستثمار في التكنولوجيا والتدريب. هذا النموذج هو السائد في الدول المتقدمة، ويحقق توازنًا بين الأمن والتنمية.
الخاتمة:
بين الدولة القوية والمجتمع المنهك
التجنيد الإلزامي ليس مجرد قانون، بل اختبار لطبيعة الدولة نفسها: إن كانت الدولة عادلة وقوية → قد ينجح. وإن كانت مثقلة بالفساد والمحسوبية → سيتحول إلى عبء وظلم جديد.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحتاج العراق إلى التجنيد؟ بل: هل يمتلك العراق اليوم الشروط التي تجعله عادلًا وناجحًا؟
وفي ظل البطالة، وضعف الاقتصاد، وذكريات الماضي المريرة، يبقى الخيار الأقرب للعقل هو: بناء الإنسان قبل عسكرة المجتمع، وبناء الاقتصاد قبل توسيع الجيوش.


