تشكل احداث منطقة الشرق الأوسط الجيوسياسية ، ولاسيما التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وإيران من جهة اخرى عاملا رئيسيًا لعدم الاستقرار الاقتصادي على المستويين الإقليمي والعالمي، نظرًا لارتباط هذه الاحداث الوثيقية بأسواق الطاقة بالدرجة الاساس وسلاسل التوريد الدولية. وهذه العوامل ليست ببعيدة عن العراق الذي يعد من أكثر الاقتصادات تأثرًا بهذه التطورات، بحكم موقعه الجغرافي في قلب الاحداث العسكرية وطبيعة اقتصاده الريعي المعتمد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة.
وهنا يتم تداول السؤال الابرز منذ اندلاع هذا الصراع والذي هو:
إلى أي مدى يمكن للاقتصاد العراقي الصمود في ظل تداعيات هذه الحرب، وفي ظل تداخل عوامل الهشاشة الهيكلية مع بعض عناصر القوة الداخلية؟
للاجابة على هذا التساؤل المطروح لابد ان نبين اولا القنوات التي تنتقل منها الصدمات الخارجية للاقتصاد العراقي والتي ابرزها:
1-اختلال أسعار النفط
دائما تؤدي الحروب التي جرت في منطقة الخليج العربي خلال ال50 سنة المنصرمة بضمنها الحرب الجارية إلى تقلبات حادة في أسعار النفط، وغالبًا ما تتجه نحو الارتفاع، وهذا يخلق تأثيرًا مزدوجًا على الاقتصاد العراقي بين زيادة الإيرادات من جهة واحتمال تراجع الكميات المصدّرة من جهة اخرى، والتي غالبا لم يستفيد العراق من هذه الظروف كونه اما احد اطراف النزاع او في قلب الاحداث بحكم موقعه الجغرافي.
2- الممرات التصديرية للعراق
يعتمد العراق على الممرات البحرية في اغلب صادراته النفطية، وأي اضطراب فيها يؤدي إلى انخفاض الصادرات وتراجع الإيرادات العامة،مما ينعكس على اوضاعه الاقتصادية بصورة سلبية
3- التضخم العالمي
غالبا ما تؤدي الأزمات الدولية في منطقة الخليج العربي إلى ارتفاع أسعار السلع عالميًا، نتيجة طبيعية لارتفاع اسعار الطاقة وزيادة كلف تامين العبور من الممرات الحيوية ، مما ينعكس محليًا عبر زيادة تكاليف الاستيراد وارتفاع معدلات التضخم.
4-المخاطر الأمنية
تسهم التوترات الامنية في المنطقة الى تقليص الاستثمار الأجنبي نتيجة محاولة هروب رؤوس الاموال من المنطقة ورفع مستوى المخاطر السيادية، مما يضعف النشاط الاقتصادي ويبطئ عمليات التنمية الاقتصادية.
بعد توضيح القنوات الناقلة للصدمات الاقتصادية الى الداخل العراقي هنا لابد لنا ان نوضح بالمقابل اهم العوامل التي تعتبر نقاط القوة التي يتمتع بها الاقتصاد العراقي للصمود امام الصدمات الاقتصادية الناتجة من حروب المنطقة والتي منها:
1- احتياطات العملة الأجنبية
يمتلك العراق احتياطات عملة اجنبية تقدر باكثر من (100مليار) دولار تمثل خط الدفاع الأول لضمان الاستقرار النقدي وتمويل العجز المؤقت، لكن لايمكنها ان تبقي الاقتصاد العراقي في وضع مستقر نسبيا على المدى الطويل في حال طالت امد الحرب في المنطقة .
2- عناصر القوة الداخلية (الاكتفاء الذاتي النسبي)
يمتلك الاقتصاد العراقي العديد من مقومات الاكتفاء الذاتي التي من الممكن ان تعتبر عامل قوة للصمود في ضوء الاحداث الجارية في المنطقة ، والتي تخفف ولو جزئيا من صدمة غلق الممرات الحيوية للاستيراد والتصدير للبلد او التخلخل الذي يصيب الجهة المصدرة لبعض السلع الضرورية للعراق ومنها:
- الاكتفاء النسبي من المشتقات النفطية : يسهم تطوير المصافي في العراق الى تقليل الاعتماد على الاستيراد وذلك لارتفاع الناتج المحلي من مادة النفط الابيض والبانزين وغيرها من المنتجات النفطية التي اصبحت تغطي الحاجة اليومية في البلد تقريبا.
- الإنتاج الزراعي والحيواني المحلي : يعتبر من ابزر المقومات الداخلية للاقتصاد العراقي كونه يعزز الأمن الغذائي ويقلل من أثر التضخم المستورد،فقد انتجت الخطط الزراعية في السنوات القليلة الماضية زيادة في معدلات الانتاج الزراعي والحيواني كالحنطة والشعير والرز ولحوم الدجاج وبيض المائدة ،والتي تعتبر اساسية في استهلاك المواطن، وكذلك المنتجات الزراعية الاخرى . لكن فقط يحتاج التركيز على عمليات المراقبة السعرية في الاسواق المحلية منعا لارتفاع الاسعار كون توقف الاستيراد يعني انفراد منتجي المنتجات المحلية في السوق بدون منافس مما يؤدي ببعض ضعاف النفوس الى رفع اسعار منتجاتهم
- قطاع مواد البناء : يوفر درجة من الاكتفاء في قطاع حيوي مرتبط بالنمو الاقتصادي وحتى لديه امكانية تصديرية لبعض المنتجات كلاسمنت وحديد البناء.
- القطاع الصحي: يعتبر من المقومات المهمة التي شهدت تطورا ملحوظا في السنوات السابقة كونه يتعلق بحياة المواطنين مباشرا فقد حقق العراق الاكتفاء الذاتي في بعض الانواع من الادوية والمنتجات الطبية وكذلك توفير حاجات المجتمع بصورة كبيرة من الانواع الاخرى من المنتج المحلي.
3– الاقتصاد غير الرسمي : هو مجموعة الانشطة الاقتصادية التي تتم خارج الاطار الاقتصادي للدولة والذي يلعب دورًا ملحوضا في امتصاص الصدمات وتوفير فرص العمل حتى في الاوقات التي يتعطل فيها القطاع الرسمي للدولة، لانه يتمتع بمرونه عالية لاتتاثر بالقوانين والازمات الرسمية والتي من امثلتها: الباعة المتجولين ، الورش والحرف اليدوية ، المحلات الصغيرة غير المسجلة، وغيرها.
التحليل العام: بين الصمود والهشاشة
يمكن توصيف الاقتصاد العراقي من التحليل اعلاه بأنه يمتلك مرونة اقتصادية قصيرة الأجل مقابل هشاشة طويلة الأجل، حيث تسهم عوامل الاكتفاء النسبي التي ذكرناها في امتصاص الصدمات الآنية على المدى القصير، لكنها لا تعالج الاختلالات الهيكلية العميقة والمتجذرة فيه. مثل مرونة السياسة المالية التي تعتمد بصورة عامة على النفط كمصدر لتوفير السيولة في البلد مما يجعلها اكثر حساسية للصدمات الخارجية، وكذلك هشاشة القطاع المصرفي الذي لازال يعاني من ضعف التنوع وارتباطه الكبير بالقطاع الحكومي رغم محاولات التطوير الاخيرة. واخيرا الطبيعية الريعية للاقتصاد العراقي التي تحد من قدرته على تحقيق الاستدامة الاقتصادية طويلة الأجل.
يمكن ان نستنتج مما ذكر في هذا المقالة ان الاقتصاد العراقي قد يمر بعدة سيناريوهات اذا استمرت الاحداث الحالية عما هي عليه
السيناريو الاول: الصمود النسبي في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط مع استقرار نسبي في التصدير وهذا غير ممكن حاليا على الاقل لاغلاق مضيق هرمز الذي يعتبر الممر الرئيسي لصادرات العراق النفطية اكثر من 90% .
السيناريوالثاني: الأزمة المزدوجة : ارتفاع الأسعار مع تعطل التصدير، مما يؤدي إلى عجز مالي وضغوط نقدية، وهذا الاسوء من بين الخيارات المطروحة ، والذي يمكن لاقتصاد العراق الصمود فيه لمدة قصيرة جدا شهور فقط
السيناريو الثالث : وهو الاكثر ايجابية والذي يفترض التهدئة بين الاطراف المتناحرة وانخفاض التوترات وما يرافقه من تراجع في أسعار النفط، وعودة الامور الى طبيعتها قبل الحرب لكن قد يعاني الاقتصاد العراقي من بعض الاختلالات على المدة القصير .
في ظل التصعيد الجيوسياسي الاخير، يقف الاقتصاد العراقي بين الصمود المؤقت والهشاشة الهيكلية كونه شديد التاثر بالصدمات الخارجية، مما يستدعي تبني إصلاحات استراتيجية عميقة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل. مثل تنويع مصادر الدخل و تطوير منافذ تصدير بديلة بالدرجة الاساس وكذلك إصلاح القطاع المصرفي و دعم القطاعات الإنتاجية .
