يبدو السؤال للوهلة الأولى مفارقاً للمنطق. كيف يُعاقَب المواطن بسياسة حكومية صُمِّمت أصلاً لحمايته؟ غير أن المتابع في واقع الاقتصاد العراقي يدرك أن هذه المفارقة ليست استثناءً عابراً، بل نمط اقتصادي متكرر تكشفه تجارب الدعم الحكومي للمنتجين المحليين بكافة المجالات على مدى عقود. فما إن تُقرر الدولة دعم قطاع إنتاجي معين حتى تبدأ سلسلة من التشوهات تنتهي في كل مرة بالمواطن ضحيةً لسياسة لم يكن طرفاً في صياغتها.
تنطلق القصة دائماً من نقطة تبدو مشروعة: قرار حكومي بدعم المنتج المحلي بهدف تحفيز وحماية الإنتاج المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد وتقليل فرص الفساد المالي. تبدأ بضخ الأموال، وتمنح الإعفاءات، وترفع الرسوم الجمركية على المنافس الأجنبي، ويبدو المشهد في ظاهره واعداً. بيد أن هذا الدعم، حين يُصرف دون اشتراطات أداء واضحة ودون رقابة سعرية فاعلة، يتحول بسرعة مدهشة من أداة تنمية إلى وقود للاحتكار. فالمنتج سواء كان صناعي او زراعي الذي أُغلق الباب أمام منافسيه الأجانب، ووجد نفسه سيد السوق بلا منازع، لا يجد حافزاً للاستثمار في الجودة أو خفض التكاليف، بل يجد في التلاعب بعرض السلعة طريقاً أقصر وأضمن لتعظيم أرباحه.
وهنا يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة من جيبه حين يدفع ضرائبه التي هي جزء من تموّل هذا الدعم، ومرة أخرى حين يجد نفسه أمام أسعار مرتفعة لسلعة محلية مدعومة من المال العام. ويزداد الأمر مرارةً حين ندرك أن المواطن محدود الدخل هو الأكثر تضرراً، إذ تستنزف فاتورة الغلاء حصة أكبر من دخله المحدود مقارنةً بغيره. ويبقى الجهاز الرقابي عاجزاً أو متقاعساً، وتبقى قوانين المنافسة ومنع الاحتكار حبراً على ورق لا يُفزع أحداً.
أمام هذا الواقع، لا تجد الحكومة مخرجاً سوى فتح باب الاستيراد لكسر الاحتكار وإعادة الأسعار إلى مستوياتها المعقولة. وما إن يتدفق المنتج الأجنبي بأسعاره التنافسية حتى تتراجع الأسعار، ويشعر المواطن بانفراج مؤقت. غير أن هذا الحل يحمل في طياته مشكلة جديدة؛ فالمنتج المحلي الذي اعتاش على الحماية ولم يطور قدراته التنافسية يجد نفسه عاجزاً عن الصمود، سرعان ما ينهزم امام المنتج المستورد .فيتقلص إنتاجه أو يتوقف كلياً، وتتعطل قوى عاملة، وتُغلق مصانع، لتعود الحكومة من جديد إلى نقطة البداية: الدعم مجدداً، والدورة من أوّلها.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في الدعم ذاته، فكثير من دول العالم تدعم منتجيها وتنجح في بناء قطاعات إنتاجية تنافسية. الفارق الجوهري أن الدعم الناجح يرتبط دائماً بشروط صارمة وأهداف قابلة للقياس وآليات رقابة لا تُهادن. أما حين يُوزَّع الدعم بلا حساب ولا محاسبة، فإنه يُنتج ريعاً لا إنتاجاً، ويُكافئ الاحتكار لا الكفاءة، ويُعاقب المستهلك لا يحميه. وهذا بالضبط ما يحدث حين تغيب الحوكمة وتتراخى الدولة عن دورها الرقابي أمام نفوذ المنتفعين.
والمواطن العراقي في هذه المعادلة المختلّة ليس مجرد رقم في إحصائية، بل هو الطرف الذي يتحمل تبعات كل خطأ في السياسة الاقتصادية دون أن يكون له صوت في صياغتها. فحين ترتفع الأسعار يئن من الغلاء، وحين يُفتح الاستيراد يخسر وظيفته إن كان عاملاً في القطاع المتضرر، وحين يعود الدعم تذهب أموال خزينة الدولة — التي هي أمواله — إلى جيوب من لا يستحقون. إنها دوامة ظالمة بامتياز، والعدالة الاقتصادية تقتضي كسرها.
فما هو الحل اذأ؟ لااريد ان انادي بنظرية الاقتصاد المفتوح رغم اني من مؤيديها لان الرابح الاكبر منها هو المواطن البسيط و ليس في إلغاء الدعم عن المنتج المحلي، بل في إعادة هندسته جذرياً. يجب أن يكون الدعم مشروطاً بمؤشرات أداء حقيقية كحجم الإنتاج ومستوى التوظيف وجودة المنتج والحدود السعرية التنافسية مع المنتج المستورد، وأن يخضع لرقابة مستقلة وشفافة صارمة. والأجدى من دعم المنتج في أحيان كثيرة هو دعم المستهلك مباشرةً عبر برامج الحماية الاجتماعية المستهدفة، التي تصون قدرته الشرائية دون أن تخلق بيئة احتكارية. فضلاً عن ذلك، لا مفر من تفعيل قانون المنافسة وإعطاء الجهات المختصة صلاحيات حقيقية لملاحقة الاحتكار ومحاسبة المخالفين.
في النهاية، يظل السؤال الحقيقي ليس: هل ندعم المنتج المحلي؟ بل: كيف ندعمه بطريقة لا تحوّل المواطن من مستفيد إلى ضحية؟ الإجابة عن هذا السؤال هي الفارق بين سياسة اقتصادية تبني وسياسة تُعيق، وبين دولة ترعى مواطنيها ودولة تتركهم يدفعون فاتورة إخفاقاتها.


