يُعد ملف الشركات العامة في العراق أحد أكثر الملفات تعقيداً في هيكلية الاقتصاد الوطني، حيث تداخلت فيه الأدوار بين كونها وحدات إنتاجية يُفترض أن ترفد الخزينة العامة، وبين تحولها إلى عبء مالي يستنزف الموازنة التشغيلية. وتكشف القراءة التحليلية لواقع (55) شركة عامة عراقية عن فجوة هائلة في معايير الإفصاح والشفافية، مما يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى استمرارها بصيغتها الحالية.
تُظهر المؤشرات الرقمية تراجعاً حاداً في قدرة (أو رغبة) الشركات العامة على الإفصاح المالي. فمن أصل 55 شركة، نجحت شركة “سومو” (SOMO) فقط في إعلان بياناتها المالية لعام 2025، بينما تذبذب أداء (7) شركات أخرى في نشر بيانات لسنوات متفاوتة. أما الغالبية العظمى من هذه الشركات، فقد تحولت مواقعها الإلكترونية من منصات إفصاح مالي وتقني إلى “مدونات شخصية” تركز على النشاطات البروتوكولية والزيارات الميدانية للمديرين العامين، بعيداً عن الجداول المالية التي تهم المستثمر والمراقب الاقتصادي.
تأسست هذه الكيانات لتعظيم الإيرادات غير النفطية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لكن الواقع يشير إلى تحول منهجي نحو الخسارة. وتبرز هنا فرضية اقتصادية خطيرة؛ وهي لجوء بعض الإدارات لتعمد إظهار العجز المالي لضمان تدفق التمويل من الموازنة المركزية، بدلاً من الانتقال إلى التمويل الذاتي الذي يفرض قيوداً صارمة على الإنفاق ويستوجب تعظيم الأرباح. هذا “الهروب من الربحية” حوّل هذه الشركات إلى مراكز استهلاك تضغط بشكل مباشر على كاهل الدولة.
إن المؤسسات التي كانت يوماً ما ركائز للصناعة، الزراعة، والنقل في العراق، تعاني اليوم من تدهور تقني واندثار في أصولها الإنتاجية. ومع غياب الخطط الاستراتيجية للاستدامة، تكبلت هذه الشركات بديون تراكمية عبر السنوات، مما جعل فكرة “الاستمرارية” تحت الإدارة الحالية أمراً يقترب من الاستحالة التقنية والمالية. ويبرز هنا تساؤل مشروع: هل هذا التدهور نتيجة سوء إدارة عابر، أم هو نتاج “إرادات خفية” تسعى لإيصال هذه الأصول إلى مرحلة التصفية النهائية للسيطرة على ممتلكاتها؟
لم يكن التحول نتاج خصخصة عشوائية بقدر ما كان نتيجة بناء منظومات حوكمة صارمة تربط التمويل بالأداء وتفصل الإدارة عن النفوذ السياسي. إن استمرار الغموض المالي لا يعيق الاستثمار فحسب، بل يعيد تشكيل الحوافز داخل هذه الشركات نحو تعظيم الريع بدلاً من الإنتاج. وعليه، فإن أي تأخير في فرض الشفافية لن يكون حيادياً، بل سيعمّق كلفة الإصلاح مستقبلاً ويقوّض فرص التنويع الاقتصادي.
إن ملف الشركات العامة لم يعد يحتمل الحلول الترقيعية أو الرضوخ لنظريات المؤامرة والخطاب العاطفي. الحل يتطلب جرأة إدارية وقراراً سياسياً نافذاً يستند إلى مسارين لا ثالث لهما:
الإصلاح والربحية:
إلزام الشركات بمعايير الشفافية الدولية والإفصاح المالي الفوري كشرط لاستمرار التمويل، مع وضع سقف زمني للتحول نحو الربحية.
الهيكلة والتصفية:
الشروع الفوري في تصفية الشركات التي ثبت عدم جدواها الاقتصادية لتقليل الهدر المالي وتحرير الموازنة من قيود الديون التشغيلية.
إن الخطوة الأولى للإصلاح تبدأ من الشفافية؛ فبدون أرقام حقيقية وبيانات معلنة، سيبقى الاقتصاد العراقي رهينة لمؤسسات تستهلك الحاضر وتستنزف المستقبل.


