في قاموس الاقتصاد الكلي، تزدحم القوائم بعشرات المؤشرات المعقدة؛ من ميزان المدفوعات وأسعار الفائدة، وصولاً إلى حجم الدين العام وأسعار الصرف. ورغم أهميتها، إلا أن هناك ثلاثة مؤشرات رئيسية تحتل الصدارة، لا لتعقيدها التقني، بل لأنها المرآة الأصدق التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
تشكل هذه المؤشرات الأضلاع الثلاثة لـ “مثلث الاستقرار الاقتصادي”:
-الناتج المحلي الإجمالي: المقياس الأساسي لحجم الثروة والإنتاج داخل الدولة.
-معدل التضخم: المؤشر المباشر للقوة الشرائية وقيمة النقود في جيوب المواطنين.
-معدل البطالة: المعيار الذي يقيس مدى انخراط المجتمع وطاقاته البشرية في العملية الإنتاجية.
وحين تكتمل اضلاع هذا المثلث بشكل مثالي ، يتحقق الاستقرار الاقتصادي الذي يترجمه المواطن ببساطة في عبارة: “البلد ماشي”.
إن أي استراتيجية اقتصادية لا تبنى على مستهدفات رقمية واضحة وقابلة للقياس لهذه المؤشرات الثلاثة، هي مجرد حبر على ورق. ومع ذلك، فإن إدارة هذا المثلث تمثل تحدياً كبيراً؛ إذ يصعب عملياً تحقيق الأهداف المثالية لجميع الأضلاع في وقت واحد.
هذا الواقع يفرض على الدول تقديم تنازلات وتضحيات اقتصادية مدروسة، منها:
تحفيز التشغيل على حساب الأسعار: قد تقبل الدولة بارتفاع مؤقت في التضخم لزيادة الإنتاج وخلق فرص عمل جديدة وخفض البطالة.
كبح التضخم على حساب النمو: في حالات التضخم المرتفع، تضطر الحكومات إلى إبطاء عجلة الاقتصاد وتثبيطه، مما يقلل مؤقتاً من وتيرة توظيف العمالة الجديدة.
إعادة توجيه الإنتاج: قد تدفع السياسات نحو رفع التضخم في قطاع معين لتحفيز قطاع آخر أكثر استراتيجية للدولة.
قبل صياغة السياسات، يتعين على الدول تحديد مسار اقتصادي واضح تمتد لسنوات، على أن تتناغم هذه الرؤية مع التحولات الداخلية كـ:
– معدلات النمو السكاني.
– التركيبة الديموغرافية والحالات الاجتماعية.
-تأثير هذه العوامل على الأمن المجتمعي والسلم الأهلي.
وبناءً على هذه المعطيات، تلتزم الدول بإجراء “تحليل الفارق” (Gap Analysis)؛ وهو قياس المسافة الفاصلة بين الوضع الاقتصادي الراهن والوضع المستهدف، ورسم الخطط الزمنية الكفيلة بسد هذه الفجوة.
ما الذي نحتاجه فعلياً؟
ما يحتاجه الاقتصاد اليوم ليس وعوداً فضفاضة أو شعارات عامة مثل “الإصلاح الاقتصادي” أو “تحسين مستوى المعيشة”، بل نحتاج إلى أرقام ومستهدفات دقيقة لأضلاع المثلث الثلاثة.
وهذا يتطلب منا مواجهة أسئلة مجتمعية جوهرية ونشر الوعي حولها، مثل:
نمط المعيشة المطلوب: هل نفضل عائلة من 7 أفراد يعولها شخص واحد بدخل مرتفع يغطي احتياجات الجميع، أم عائلة يعمل منها 5 أفراد بدخل يكفي بالكاد لتغطية مصاريفهم الأساسية؟
توزيع العمالة: ما هي القطاعات الحيوية التي نريد توجيه الطاقات البشرية إليها؟
الإنتاجية مقابل العمالة الهامشية: هل جميع أفراد المجتمع يساهمون في الإنتاج الحقيقي، أم أن هناك فئات تتقاضى أجوراً دون تقديم قيمة مضافة (بطالة مقنعة)؟
عندما نتفق كمجتمع وصناع قرار على المؤشرات المستهدفة والمدد الزمنية لتحقيقها، تتبلور تلقائياً سياسات اقتصادية واضحة وموجهة.
لكن نجاح هذه السياسات يظل مشروطاً بركيزتين أساسيتين:
– توفر بيانات دقيقة ومحدثة بشكل فوري وسريع.
– المراقبة والمراجعة الدورية للمؤشرات للتأكد من أن السياسات تسير في مسارها الصحيح وتعديلها عند الانحراف.
باعتماد هذا النهج العلمي والواقعي فقط، نضع أقدامنا على الطريق الصحيح لبناء اقتصاد تنموي مستدام. أما دون ذلك، سيبقى الإصلاح الاقتصادي مجرد حلم جميل ينتظر الملايين تحقيقه دون جدوى.


