في ظل التراجع المتواصل في الإيرادات النفطية، وعجز الحكومة العراقية عن تعويض هذا النقص من مصادر بديلة، باتت خيارات الحلول المتاحة تضيق يوماً بعد يوم، حتى كاد الاستدانة يُفرض نفسه منفذاً وحيداً لا مفرّ منه.
والحقيقة التي يُدركها الجميع أن نفقات شهرية تبلغ نحو عشرة تريليونات دينار لا يمكن تغطيتها إلا عبر قناة واحدة في غياب النفط، هي الاقتراض سواء أكان داخلياً أم خارجياً. غير أن الاستدانة ليست الحلّ السحري الذي يُنقذ الاقتصاد، بل قد تكون في حال الاستمرار بها لفترات مطوّلة عاملاً مُضاعِفاً للأزمة، إذ ترفع من ثقل النفقات التشغيلية الإلزامية المتمثّلة في فوائد الديون المتراكمة.
وقد بلغت فوائد الدين العام خلال عام 2025 ما يقارب سبعة تريليونات دينار، ويُتوقع أن ترتفع هذه الفوائد في العام الحالي إلى ما يتجاوز عشرة تريليونات دينار، أي ما يعادل نحو 10% من إجمالي النفقات التشغيلية الإلزامية، وذلك في ضوء الارتفاع المتواصل في حجم الدين العام واحتمالية اللجوء إلى مزيد من الاقتراض خلال الأشهر القادمة. وهذه النفقات ستظل ملزمة لأي حكومة حاضرة أو مستقبلية طالما بقيت مستويات الدين مرتفعة، بل إن خطورة المسار القائم تكمن في احتمال الوصول إلى مرحلة تضطر فيها الحكومة إلى الاقتراض لا لتمويل الخدمات العامة، بل لسداد فوائد ديونها فحسب، وهو مسار سلكته دول عدة ودفعت ثمنه غالياً.
من هنا يتضح أن الاستدانة في حدّ ذاتها ليست حلاً بنيوياً، وأن الحلّ الحقيقي الذي لا مناص منه هو ترشيد النفقات التشغيلية وفي مقدمتها ملف الرواتب والرعاية الاجتماعية، وهو ملف يتحاشى كثيرون الاقتراب منه خشية ردود الفعل الشعبية.
بيد أن المعطيات المتاحة تُشير إلى أن هامش الإصلاح واسع، ولا يستلزم بالضرورة المساس بمستوى معيشة المواطن. فمقارنة نفقات الرعاية الاجتماعية في الربع الأول من العام الحالي بالفترة ذاتها من العام الماضي كشفت عن تراجع بلغ نحو 700 مليار دينار، تحقّق بمجرد إجراء عمليات تدقيق أولية، مما يعني أن ما وُفِّر على المستوى السنوي قد يتجاوز 2.8 تريليون دينار من مجرد مراجعة جزئية لبيانات المستفيدين. فكيف سيكون الوضع حين تشمل المراجعة ملف الرواتب وسائر أوجه الإنفاق الحكومي؟
خلاصة القول، المعادلة لا تحتمل إلا خيارين اثنين لا ثالث لهما:
– الاستمرار في الاستدانة حتى يتحول ملف الدين العام إلى قيد هيكلي يُثقل كاهل أي حكومة لعقود مقبلة.
– ضبط الإنفاق وترشيده والسعي نحو توازن تدريجي بين النفقات والإيرادات بأساليب تصون كرامة المواطن وتحمي مستوى معيشته.
أما التفاؤل المُفرط الذي يُروَّج له أحياناً بوصفه حلولاً سهلة وسريعة، فمصدره في الغالب قراءة انطباعية للمشهد لا قراءة رقمية، تقيس مقدار التفاعل لا مقدار الدقة.


