تداعيات تلوث دجلة الخير وأثرها الاقتصادية والاجتماعية والحلول المقترحة

تداعيات تلوث دجلة الخير وأثرها الاقتصادية والاجتماعية والحلول المقترحة
تلوث نهر دجلة بفعل مياه الصرف غير المعالجة من ديالى يهدد الاقتصاد والبيئة في واسط. تراجع جودة المياه أدى إلى خسائر في الزراعة والثروة السمكية، ورفع التكاليف على المستهلك. الحلول تشمل بناء محطات معالجة حديثة، تطبيق ضوابط بيئية، ودعم المزارعين بتقنيات مائية مغلقة لضمان استدامة الإنتاج...

تعد أزمة تلوث نهر دجلة الناتجة عن تدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة من نهر ديالى واحدة من أعقد المشكلات البيئية والاقتصادية التي تواجه جنوب بغداد ومحافظة واسط على وجه الخصوص اذ يمثل نهر ديالى المصب الرئيسي للملوثات العضوية والصناعية ونواتج الصرف الصحي للعاصمة فقد  تتدفق هذه الملوثات لتختلط بمياه دجلة مما يؤدي إلى انخفاض حاد في نسبة الأكسجين المذاب وارتفاع مستويات الأمونيا والسموم.

ومن المنطلق اعلاه يمثل هذا الواقع “خسارة اقتصادية خارجية” تفرضها العاصمة على المحافظات الجنوبية حيث يتحمل قطاع الإنتاج في واسط تكاليف باهظة لتنقية المياه أو تعويض الفقدان في الأصول الحيوية مما يربك الميزان التجاري الداخلي للمحافظة ويفقدها ميزتها التنافسية كمنتج زراعي رائد.

أما على صعيد الثروة السمكية فإن الأثر الاقتصادي يتخذ شكلاً كارثياً يتمثل في “إبادة الأصول الإنتاجية”. إن نفوق الأسماك بكميات تجارية في أحواض واسط العائمة والبحيرات الطينية لا يعني خسارة الوجبة الغذائية فحسب، بل يعني انهيار سلاسل القيمة المرتبطة بها من معامل أعلاف، ونقل، وعمالة يومية.

يتمخض عنها “صدمة عرض” في الأسواق المحلية ترفع أسعار البروتين الحيواني، مما يضطر المستهلكين إلى التوجه نحو الأسماك المستوردة  وهذا بدوره يستنزف العملة الصعبة ويزيد من التبعية الاقتصادية للخارج او الامتناع الوقتي من شراء الاسماك خوفأ من التسمم محولاً شريحة واسعة من أصحاب المشاريع السمكية في واسط من فئة المنتجين إلى فئة المديونين للمصارف أو العاطلين عن العمل.

اذ تكمن الأسباب الجوهرية لهذه الأزمة في تهالك البنية التحتية لمعالجة الصرف الصحي في بغداد وديالى، حيث تتجاوز كمية المصبات القدرة الاستيعابية للمحطات القديمة مثل محطة “الرستمية”، مما يجعل النهر وسيلة للتخلص من النفايات بدلاً من كونه مورداً اقتصادياً. كما أن غياب التشريعات الرادعة والرقابة على المنشآت الصناعية والطبية التي تفرغ مخلفاتها مباشرة في النهر يفاقم من المشكلة. ومن المنظور الاقتصادي يعود السبب أيضاً إلى غياب التخصيصات المالية في الموازنات الاتحادية لمشاريع “الاستثمار البيئي” طويل الأمد، وتفضيل الحلول التشغيلية المؤقتة التي لا تعالج جذور التلوث عند منبعه في نهر ديالى قبل وصوله إلى مجرى دجلة الرئيسي.

تتطلب الحلول المقترحة تجاوز النظرة التقليدية نحو تبني استراتيجية “الاقتصاد الأخضر” وإدارة الموارد المائية المتكاملة. فقد يبرز الحل الأساسي في ضرورة إنشاء محطات معالجة كبرى وحديثة عند مصب نهر ديالى وفي مراكز المدن المحاذية تعمل بتقنيات المعالجة الثلاثية لضمان عودة المياه إلى دجلة بخصائص صالحة للاستخدام الإنتاجي. كما يجب تفعيل نظام “الملوث يدفع” بفرض ضرائب بيئية عالية على المصانع والجهات المتجاوزة لتمويل مشاريع استصلاح النهر. وفي واسط، لا بد من دعم المزارعين ومربي الأسماك عبر قروض ميسرة لتبني تقنيات التدوير المائي المغلق (RAS) التي تقلل الاعتماد المباشر على مياه النهر الملوثة، مما يخلق مرونة اقتصادية قادرة على الصمود أمام الأزمات البيئية المتكررة وضمان استدامة الأمن الغذائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *