لأكثر من عقد من الزمان، وفي مئات الأطروحات والمقالات، صرخنا محذرين من ضرورة تنويع الاقتصاد العراقي. لم يكن الطرح مقتصرًا على إيجاد “بدائل للنفط” فحسب، بل الأهم هو تأمين “سلاسل قيمة” متكاملة للنفط نفسه؛ بدءاً من تنويع منافذ الاستخراج جغرافياً، وتطوير أسطول نقل وطني، والاعتماد على شركات تأمين عراقية قادرة على تغطية السفن في الأزمات، وصولاً إلى الاستثمار في مصافٍ داخلية وخارجية تضمن وصول المشتقات للمستهلك النهائي بمعزل عن التقلبات الجيوسياسية.
إلى جانب ذلك، شددنا على ضرورة استثمار الثروات المعطلة كالكبريت والفوسفات والسيليكا، وتحفيز القطاعات الحيوية مثل السياحة، النقل، والصناعات التحويلية. لكن، وللأسف، كانت هذه الرؤى تضيع وسط ضجيج “الشعبوية الاقتصادية” التي يروج لها البعض، موهمين الشارع بأن الإصلاح مجرد “قرار فردي” سحري يغير الواقع بين ليلة وضحاها.
اليوم، ومع اشتعال المنطقة، سقط الغطاء وانكشفت الحقيقة المرة: العراق يجد نفسه لأول مرة بلا إيرادات حقيقية. دولة تلتزم بإنفاق أكثر من 10 تريليونات دينار شهرياً كرواتب ورعاية اجتماعية، في حين لا يتجاوز إيرادها الفعلي 3 تريليونات في أفضل الأحوال. وجدنا أنفسنا في حالة شلل تام؛ لا قدرة على التحرك مع الجانب الإيراني لتأمين ممرات عبر هرمز، ولا وجود لبدائل تصديرية برية أو بحرية واقعية، فصارت الحلول التي كان يتغنى بها البعض “أضغاث أحلام” أمام قسوة الواقع.
قد يتجاوز العراق هذه المحنة، لكنه سيخرج منها مستنزفاً لسيولته واحتياطياته المالية. والسؤال هنا: هل دق جرس الإنذار فعلاً؟ هل أدركنا أن الإدارة الاقتصادية والمالية بعد تاريخ 28-2-2026 يجب أن تختلف جذرياً عما قبله؟
للأسف، المؤشرات الحالية مخيبة للآمال.
فبينما نعد الدولة الأكثر تضرراً من إغلاق مضيق هرمز، نرى مجلس النواب—المسؤول عن الرقابة والتقييم—يقف عاجزاً وبلا حراك:
أين استجواب وزارة النفط عن غياب خطط الطوارئ رغم التهديدات المستمرة بالحرب كانت مستمرة لاشهر؟
أين مساءلة وزارة النقل عن إهمال الأسطول البحري والارتهان للسفن الأجنبية رغم حديث لسنوات عن ضرورة تطوير هذا القطاع؟
لماذا لم تُساءل وزارة المالية عن فشلها في تمكين قطاع التأمين الوطني لتغطية سفننا بعد رفض الشركات العالمية؟
أين خطط وزارات التجارة والزراعة لتأمين الغذاء والدواء ودعم المنتج المحلي لمواجهة نقص الاستيراد مع غياب قدرة الدولة اليوم على تسديد التزاماتها للمزارعين لمحاصيل السنة الماضية؟
إن النظام الحالي أثبت عدم قدرته على التكيف مع الأزمات المركبة، والمسؤولية الآن تقع على عاتق المواطن العراقي. إن التردي الذي نعيشه هو نتاج ضعف المشاركة السياسية وضعف الإيمان بالتغيير عبر الصندوق. صوتك ليس مجرد ورقة، بل هو أمانة ترهن مستقبل أطفالك وأحفادك.
يجب أن تكون هذه الحرب هي “صافرة الإنذار” الأخيرة لتصحيح أخطاء الماضي، وبناء عراق جديد يعتمد على اقتصاد حقيقي، متنوع، ومستدام، بعيداً عن الخطابات الوردية التي لم تورثنا سوى الكوابيس.
لقد حان وقت العمل، فالوطن لا يُبنى بالتمنيات، بل بالسياسات المدروسة والرقابة الصارمة.


