معضلة السيولة خارج النظام المصرفي: تحليل لهيكلية الاكتناز في الاقتصاد العراقي

معضلة السيولة خارج النظام المصرفي تحليل لهيكلية الاكتناز في الاقتصاد العراقي
أكثر من ٧٠٪ من السيولة في العراق خارج المصارف. نوعان من الاكتناز: اكتناز ضرورة (خوف المواطن) واكتناز تحوط (فساد السياسي). الحل: العفو المالي المشروط، والإصلاح الضريبي، وربط النشاط التجاري بالحساب البنكي...

مقدمة

يعاني الاقتصاد العراقي من ظاهرة “الهروب من المصارف”، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 70% من العملة المصدرة تتداول أو تُخزن خارج المؤسسات المالية. هذه الظاهرة لا تعطل فاعلية السياسة النقدية فحسب، بل تحرم الاقتصاد من “مضاعف الائتمان” الضروري لتحفيز الاستثمار. ورغم تبني الحكومة لاستراتيجيات التحول الرقمي والشمول المالي، إلا أن الفجوة بين النقد المصدر والنقد المودع لا تزال واسعة، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول القوى الفاعلة التي تحتجز هذا الزخم النقدي.

القنوات الحكومية ومحاولات الاسترداد

حاولت الحكومة العراقية عبر البنك المركزي والوزارات القطاعية تضييق الخناق على الاكتناز من خلال:

١_ أتمتة الجباية والدفع الإلكتروني (POS): لتقليل الاعتماد على النقد الورقي في المعاملات اليومية.

٢- إصلاح الإدارة المصرفية: عبر محاولات إعادة هيكلة المصارف الحكومية الكبرى وتوطين الرواتب.

٣- تعزيز الشفافية: من خلال الامتثال للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ومع ذلك، اصطدمت هذه الجهود بجدار من “عدم الثقة” المتجذر تاريخياً نتيجة الأزمات المالية السابقة، والبيروقراطية المعقدة، وضعف الخدمات المصرفية المقدمة مقارنة بمخاطر إيداع الأموال.

  الاكتناز: من يملك الدينار؟

لإجابة التساؤل حول من يحتجز السيولة، يجب التمييز بين نمطين من الاكتناز في العراق:

أولاً: اكتناز “الضرورة” (المواطن والموظف)

يمثل هذا النمط السلوك الادخاري للطبقة الوسطى والفقيرة. الموظف العراقي يميل لسحب راتبه بالكامل فور إيداعه بسبب:

أ- ضعف الثقافة المصرفية: والاعتماد على النقد (Cash) كوسيلة وحيدة وموثوقة للتبادل.

ب- انعدام الحوافز: فالفائدة المصرفية غالباً ما تكون غير مغرية أو تتصادم مع المعتقدات الدينية لدى البعض.

ج- الخوف من “تجميد الأموال”: الذكريات المرتبطة بضعف السيولة في الأزمات تجعل المواطن يفضل “الوسادة” على “الحساب البنكي”.

هذا النوع من الاكتناز يكون مشتتاً وموزعاً على ملايين الأفراد، ورغم ضخامة مجموعه، إلا أنه يسهل استدراجه تدريجياً عبر تحسين الخدمات الرقمية.

ثانياً: اكتناز “التحوط والظل” (السياسي الثري والنخب الاقتصادية)

هنا تكمن الكتلة النقدية “الثقيلة”. يمثل السياسيون وكبار التجار والمقاولين المرتبطين بالمال العام الركيزة الأساسية للاكتناز غير المنتج. أسباب احتجازهم للدينار (أو تحويله لعملة صعبة واكتنازها) تعود لـ:

أ- الهروب من الرقابة: الأموال الناتجة عن تضخم الثروات غير المشروع لا يمكن إيداعها في النظام المصرفي الرسمي دون تفعيل قانون “من أين لك هذا” ومعايير الامتثال الدولية.

ب- الاستثمار في الأصول الساكنة: تحويل الدينار المكتنز إلى عقارات أو ذهب أو عملات أجنبية مخزنة في خزائن خاصة بعيداً عن أعين الدولة.

ج- تذبذب سعر الصرف: احتجاز كميات كبيرة من الدينار لاستخدامها في عمليات المضاربة عند تغيرات سعر الصرف.

لماذا فشلت الحلول ؟

إن الفشل في سحب الاكتناز لا يعود لضعف التكنولوجيا (تطبيقات الدفع)، بل  في “البيئة الهيكلية”. فالدفع الإلكتروني ينجح عندما يكون هناك “اقتصاد رسمي” كامل في العراق لا يزال القطاع غير الرسمي يسيطر على حصة الأسد.

إذ  الصفقات الكبرى (عقارات، تجارة جملة) تتم نقداً بعيداً عن السجلات، مما يجعل الحاجة للنقد بظل الدفع الالكتروني حاجة حيوية لاستمرار هذا النمط من الاقتصاد.

الخاتمة والتوصيات

إن الدينار العراقي محتجز بين “خوف” المواطن البسيط و”حذر” السياسي المتربح ولا يمكن سحب هذا الاكتناز بمجرد نشر أجهزة الدفع الإلكتروني بل يتطلب الأمر:

١- بناء الثقة: عبر ضمانات حكومية حقيقية للودائع وفصل السياسة عن الإدارة المصرفية.

٢-العفو المالي المشروط: تشجيع أصحاب الثروات الكبيرة على إدخال أموالهم في مشاريع تنموية مقابل تسهيلات قانونية معينة لتبييضها داخل الاقتصاد الوطني (وليس تهريبها).

٣- الإصلاح الضريبي: ربط النشاط التجاري بالنظام المصرفي قسراً عبر جعل الحساب المصرفي شرطاً لتجديد الإجازات التجارية وممارسة الأعمال الكبرى.

بدون معالجة “الاكتناز السياسي” والنمط التجاري غير الرسمي، ستبقى محاولات الحكومة مجرد إجراءات شكلية تلامس القشرة ولا تنفذ إلى لب الأزمة المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *